ثم إنّه عليه السلام أمر عياله بالصبر والتوكل على اللّه في تحمل المصائب والرزايا ، وأوصى أخته العقيلة زينب : »يا أختاه ، اتقّي اللّه وتعزيّ بعزاء اللّه ، وارضي بقضاء اللّه ... ياأختاه لا يذهبنّ حلمك الشيطان ... وأعلمي أنّ أهل الأرض يموتون ، وأن أهل السماء لا يبقون ، وأن كل شي‏ء هالك إلّا وجه اللّه.
وطلب في ذلك الحال ثوباً لا يرغب فيه أحد يضعه تحت ثيابه ، لئلا يجردّ منه ،
فإنّه مقتول مسلوب ، فأتي إليه بذلك والتحف ببردة رسول اللّه(ص)
وتقلد بسيفه ... ثم قال : استعدوا للبلاء ، وأعلموا إنّ اللّه حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب عدوكم
بأنواع العذاب ، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة ...
ثم ركب جواده ، فأحطن النساء به كالحلقة ، هذه تقبّل يده ، وأُخرى تقبّل رجله فجعل يودعهنّ وهو يقول: اللّه خليفتي عليكن...فرأى أبنته سكينة باكية حزينة ، وهي تنظر إليه والدموع هوامع ... فوقف عندها يصبّرها ويمسح على رأسها ، ويقول :




سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي منكِ البكاء إذا الحِمام دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعكِ حسرة ما دام مني الروح في جثماني
فإذا قُتلت فأنت أولى بالـذي تأتينـه يـا خيـرة النسـوان





ثم توجه نحو الميدان ، وإذا بالنداء من خلفه : أخي حسين قف لي هنيئة ،
فالتفت إلى ورائه ، وإذا هي أخته زينب ، أُخيه ما تريدين ؟
قالت : أخي أنزل من على ظهر جوادك ، فنزل الحسين(ع)فدنت منه وقالت :
أخي اكشف لي عن نحرك وصدرك ، فكشف الحسين لها عن نحره وصدره ، فقبّلته في صدره ، وشمّته في نحره ، ثم حولّت وجهها إلى جهة المدينة ،
وصاحت : السلام عليكِ ياأُماه ، يازهراء ، لقد استرجعت الوديعة ، وأديت الأمانة ... فقال الحسين (ع) : أُخيه أية وديعة .. وأمانة ؟
قالت : أخي لمّا دنت الوفاة من أُمنّا الزهراء ، دعتني إليها
فقبّلتني في صدري ، وشمّتني في نحري ، ثم قالت : بُنية زينب هذه وديعتي عندكِ إذا رأيت أخاك الحسين بأرض كربلاء ، وحيداً ، فريداً ، فشميه في نحره فإنّه موضع السيوف ، وقبّليه في صدره ، فإنّه موضع حوافر الخيول... فلمّا سمع بذكر أُمه الزهراء هاج حنينه إليها . فقال : السلام عليكِ ياأُماه يافاطمة ..
فقال عمر بن سعد : ويحكم أهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه ... ،
واللّه إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم !!
فحملوا عليه يرمونه بالسهام ، حتى تخالفت السهام بين أطناب المخيم ، فدهشنّ النساء وأرعبنّ وصحنّ ... ودخلنّ الخيمة ينظرن الى الحسين كيف يصنع
فحمل عليهم كالليث الغضبان ، فلا يلحق أحداً إلّا بعجه بسيفه فيقتله ، والسهام تأخذه من كل ناحية ، وهو يتقيها بصدره ونحره ... ويرجع الى مركزه ، وهو يكثر قول : لا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم
وقد اشتد به العطش ، فطلب في هذا الحال ماءاً
فقال الشمر : لا تذوقه حتى ترد النار !
وناداه رجل من الأعداء يا حسين ألا ترى الفرات يجري كأنّه بطون الحيّات ؟
فلا تشرب منه حتى تموت عطشاً ...
فقال الحسين(ع) : اللّهم أمته عطشاً ... فكان ذلك الرجل يطلب الماء فيُؤتى به فيشرب ، حتى يخرج مِن فيه ، وما زال كذلك عطشاناً إلى أن مات ... وهو يطلب الماء . فبينا هو(ع) بتلك الحالة رماه أبوالحتوف الجعفي بسهم وقع في جبهته ، فنزعه وسالت الدماء على وجهه الكريم .. فقال(ع) : اللّهم إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ... أللّهم أحصهم عدداً ، واقتلهم بدداً ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً وصاح بصوت عال :
يا أُمة السوء ، بئسما خلّفتم محمداً في عترته ، أما أنّكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله ، بل يهون عليكم ذلك أياي ، وأيم اللّه إنّي لأرجو أن يكرمني اللّه بالشهادة ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون .
قال الحصين : وبماذا ينتقم لك منّا يا ابن فاطمة ؟
قال عليه السلام : يلقي بأسكم بينكم ، ثم يصب عليكم العذاب صباً...
ولمّا ضَعُف(ع) عن القتال ، وقف يستريح ، فرماه لعين بحجر على جبهته ، فسال الدم على وجهه ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن عينيه ، رماه لعين آخر بسهم محدد له ثلاث شعب وقع في صدره وقِيل على قلبِه ...
فقال عليه السلام : بسم اللّه وباللّه ، وعلى ملّة رسول اللّه ... ورفع رأسه إلى السماء وقال : إلهي إنّك تعلم إنّهم يقتلون رجل ليس على وجه الأرض ابن نبي غيري ...
ثم أخرج السهم من قفاه ، وانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده ، فلمّا امتلأت
رمى به نحو السماء ... وقال : هون عليَّ ما نزل بي إنّه بعين الله ،
إنّ هذا فيك قليل . فلم يسقط من ذلك الدم قطرة الى الأرض ! ثم وضعها ثانياً فلمّا امتلأت لطّخ به رأسه ووجهه ولحيته ، وقال) : هكذا أكون حتى ألقى اللّه وجدي رسول اللّه وأنا مخضّب بدمي« ، وأعياه نزف الدم ، فجلس على الأرض ينوء برقبته ... فانتهى إليه في هذا الحال مالك بن اليسر فشتمه ، ثم ضربه بالسيف على رأسه ، وكان عليه بُرنُس فأمتلأ البرنس دماً .
فقال الحسين(ع) لا أكلت بيمينك ولا شربت ... وحشرك اللّه مع الظالمين .
ثم ألقى البرنس ، وأعتم على القلنسوة .
قال هاني بن ثبيت الحضرمي : إنّي لواقف عاشر عشرة لمّا صُرِع الحسين ، إذ نظرت إلى غلام من آل الحسين ، هو محمد بن أبي سعيد ابن عقيل بن أبي طالب وعليه إزار وقميص ، وفي أذنيه درتان ، وبيده عمود ، وهو مذعور يتلفت يميناً وشمالاً ، فأقبل إلى الحسين(ع) ليدفع عنه السوء ، فأقبل أحد الأعداء حتى إذا دنا مال عن فرسه
وعلاه بالسيف فصُرِع رضوان اللّه عليه ، وكانت أُمه تنظر إليه وهي مدهوشة ،
فنظر عبد اللّه بن الحسن السبط وله إحدى عشر سنة إلى عمه الحسين(ع)
وقد أحدق به القوم ، فأقبل يشتد نحو عمه وأرادت زينب حبسه ، فأفلت منها ،
وجاء إلى عمه ، وأهوى أبجر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين به ، فصاح الغلام : ويلك يابن الخبيثة أتضرب عمي الحسين ؟ فغضب اللعين من كلامه فضربه
أبجر بسيفه فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلد ، فإذا هي معلّقة ، فنادى الغلام يا عماه لقد قطعوا يدي ووقع في حجر الحسين(ع) فضمه الحسين(ع) إليه
وقال له : يا ابن أخي أصبر على ما نزل بك ، واحتسب في ذلك الخير ، فإنّ اللّه تعالى يلحقك بآبائك الصالحين ، ورفع يديه قائلاً : اللّهم إن متعتهم إلى حين ، ففرقهم تفريقاً ، واجعلهم طرائق قدداً ، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً ، فإنّهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلوننا، ورمى الغلام حرملة بن كاهل بسهم فذبحه وهو في حجر عمه ، رضوان اللّه عليه