ثم إنه عليه السلام دعا بولده الرضيع يودعه
فأتته زينب بابنه عبد اللّه وأُمه الرباب ، فأجلسه في حجره يقبله ويقول : بعداً لهؤلاء القوم إذا كان جدك المصطفى خصمهم ،
ثم أتى به نحو القوم يطلب له الماء،نادى بأعلى صوته يا قوم قتلتم إخوتي وأهل بيتي وأولادي ولم يبقى عندي سوى هذا الطفل يا قوم اسقوه جرعة من الماء
فاختلف العسكر وخاف ابن سعد من وقوع الفتنة ... التفت إلى حرملة قال له : ويحك اقطع نزاع القوم ... فرماه حرملة بسهم ، فذبحه من الوريد الى الوريد . فتلقى الحسين الدم بكفه، ورمى به نحو السماء ، فلم يسقط منه قطرة !
وقال عليه السلام : هَونَ عليَّ ما نَزل بي أنّهُ بعين اللّه . إلهي إن كنت حبست عنّا النصر ، فاجعله لما هو خير منه ، وأنتقم لنا من الظالمين ، واجعل ما حل بنا في العاجل ، ذخيرة لنا في الآجل ، اللّهم أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد(ص) وسمع عليه السلام قائلاً يقول : دعه يا حسين ، فإنّ له مرضعاً في الجنة ، فجاء به يحمله
الى خيمة العقيلة زينب : وما رجع به إلى أُمه ، لأنّ الاُم لا تتمكن أن ترى ولدها مقتولاً أمامها ، فخرجت إليه العقيلة ، فلمّا نظرت الى الطفل واذا به مذبوحاً من الوريد الى الوريد ، والسهم نابت في نحره ، ودمه مسفوح على صدره
فأتت به العقيلة إلى أُمه :
فحفر له الحسين سلام اللّه عليه بجفن سيفه ودفنه مرملاً بدمه ،
وقيل وضعه مع قتلاه من أهل بيته ،
وتقدّم الحسين سلام اللّه عليه نحو القوم مصلتاً سيفه ، آيساً من الحياة ، ودعا الناس إلى البراز ، فلم يزل يَقتل كل من برز إليه ، حتى قَتل جمعاً كثيراً ، ثم حمل على الميمنة وهو يقول : الموت أولى من ركوب العارِ والعار أولى من دخول النارِ
وحمل على الميسرة وهو يقول :




أنا الحسين بن علي آليـت أن لا أنثنـي
أحمي عيالات أبي أمضي على دين النبي





واللّه لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفر فرار العبيد.
فهو عليه السلام لا يتفق معهم ولا يخضع لهم بيد أو يقرّ لهم بلسان .
قال عبد اللّه بن عمّار ، ما رأيت مكثوراً قط قد قُتِل ولده وأهل بيته وصحبه
أربط جأشاً منه ، ولا أمضى جناناً ، ولا أجرأ مُقدماً ، ولقد كانت الرجال تنكشف
من بين يديه إذا شدّ فيها ، ولم يثبت له أحد فصاح عمر بن سعد بالجمع :
هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، فأتته النبال ، وحال الأعداء
بينه وبين رحله ، فصاح بهم :
ياشيعة آل أبي سفيان ، إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحراراً في دنياكم ، وأرجعوا إلى أحسابكم أن كنتم عُرباً كما تزعمون.
فناداه شمر : ما تقول يا ابن فاطمة ؟
قال : أنا الذي أُقاتلكم ، وأنتم تقاتلونني ، والنساء ليس عليهن جناح
فامنعوا عتاتكم وجهّالكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً .

قال: اقصدوني بنفسي واتركوا حرمي
قــــــــد حــــــان حيني وقـــد لاحتـــ لوائحـــــــه


فقال الشمر : لك ذلك وقصده القوم ، واشتد القتال ، وهو يصول صولة علي الكرار حتى قَتَل من القوم جمعاً كثيراً ، وقد اشتد به العطش ، فحمل من نحو الفرات ،
على عمرو بن الحجاج ، وكان في أربعة آلاف فارس ، فكشفهم عن الماء ؛
وأقحم الفرس الماء فلمّا ولغ الفرس ليشرب قال الحسين : (ع)
أنت عطشان وأنا عطشان فلا أشرب حتى تشرب !!
فرفع الفرس رأسه كأنّه فهم الكلام !!
ولمّا مدّ الحسين يده ليشرب ناداه رجل : أتلتذ بالماء وقد هُتِكت حرمك !!
فرمى الماء ولم يشرب ، وقصد الخيمة