وكيف لا يكون كذلك .. وهو ابن أمير المؤمنين ، صاحب لواء رسولاللّه (ص) والأسد الغالب علي بن أبي طالب (ع) فكشفهم عن المشرعة ، ودخل الماء واغترف من الماء ليشرب، فتذّكر عطش أخيه الحسين،فرمى الماءعلى الماء وقال :
يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت أو تكوني
هذا الحسين وارد المنون وتشربيـن بـارد المعيـن
تاللّه ما هذا فعال دينـي ولا فعـال صـادق اليقيـن
ثم ملأ القربة وتوجه نحو المخيم ، فقُطِع عليه الطريق ، وجعل يضرب فيهم ،
حتى أكثر القتل فيهم ، وهو يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت زقا حتى أوارى في المصاليت لقى
إنّي أنا العباس أغدوا بالسقا ولا أهاب المـوت يـوم الملتقـى
.
فكَمنَ له زيد بن الرّقاد من رواء نخلة ، فضربه على يمينه فبراها ، فأخذ
السيف بشماله ... وحمل عليهم وهو يقول :
واللّه إن قطعتمُ يميني إنّي أُحامي أبداًَ عن دينـي
وعن إمام صادق اليقين نجل النبي الطاهر الأمين
.
فَكَمنَ له حكيم بن الطفيل من وراء نخلة ، فلمّا مرّ به ضربه على شماله فقطعها فضم اللواء الى صدره ، وهو يقول :
يا نفس لا تخشي من الكفّار وابشري برحمة الجبّار
مع النبي السيّد المختار قد قطعوا ببغيهـم يسـاري
فاصـلـهـم يـــارب حــــرّ الــنــار
فوقف بطل العلقمي متحيراً همه إيصال الماء إلى الأطفال ، وهو قطيع الكفين ، فتكاثروا عليه ، وأتته السهام كالمطر ، فأصاب القربة سهم وأُريق ماؤها ، وسهم أصاب صدره ، وسهم أصاب عينه ، وضربه لعين بالعمود على رأسه ففلق هامته
وهوى قمر العشيرة إلى الأرض مناديا : عليك مني السلام أخي أبا عبد اللّه .
فأسرع اليه الحسين صلوات اللّه عليه ، ورآه مقطوع اليمين واليسار ..
والسهم نابت في نحره ... انحنى عليه وبكى بكاءً عالياً
فبينا إمامنا عند أبي الفضل، وإذا بأبي الفضل انتبه وقال : سيدي ما تريد أن تصنع قال الحسين(ع) أريد حملك إلى المخيم
وبعد هنيئة فاضت روح أبي الفضل سلام عليه ، ورأسه في حجر أبي عبد اللّه الحسين(ع) فتركه في محله تلبيةً لرغبته وقام من عنده حزيناً ...
نادى أخي عباس : الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي ، وشمت بي عدوي ،
ثم حمل على الأعداء يضرب فيهم ، وهم يفرون من بين يديه منادياً :
أين تفرون ، وقد فتتم عضدي ، فقتل منهم جمعاً كثيراً ...
ثم رجع الحسين(ع) إلى المخيم منكسراً حزيناً ، يكفكف دموعه بكمه ،
وقد تدافعت الرجال على مخيمه فصاح :
(أما من مغيث يغيثنا ، أما من مجير يجيرنا) ؟ أما من طالب حق ينصرنا ؟
أما من خائف من النار فيذب عنّا ؟ فأتته ابنته سكينة وسألته عن عمّها ؟
فأخبرها بقتله ! وسمعته زينب فصاحت وااخاه ! واعبّاساه ! واضيعتنا بعدك أبا الفضل ! فنادى(ع) وا ضيعتنا بعدك أخي ، وبكين النسوة وبكى الحسين معهن
ولمّا قتل العباس(ع) التفت ريحانة رسول اللّه ، وسيد شباب أهل الجنّة ،
وخامس أهل الكساء... فلم ير أحداً ينصره !! ونظر إلى أهله وصحبه مجزرين كالأضاحي، وهو يسمع عويل الأيامى ، وصراخ الأطفال ، صاح بأعلى صوته :
هل من ذاب يذب عن حرم رسول اللّه ؟ هل من موحّد يخاف اللّه فينا ؟
هل من مغيث يرجو اللّه في إغاثتنا ؟ !! فارتفعت أصوات النساء بالبكاء،
فنهض الأمام علي بن الحسين زينالعابدين يتوكأ على عصاه ، ويجر سيفه
لأنّه مريض لا يستطيع النهوض ، فسأله الحسين (ع) ماذا تريد أن تصنع ؟
فقال زين العابدين : أريد أن أجاهد بين يديك ، هؤلاء الكفرة الفجرة..
فصاح الحسين سلام اللّه عليه بأُم كلثوم : احبسيه لئلا تخلو الأرض من نسل آل محمد فأرجعته إلى الخيمة ودموعه جاريه





رد مع اقتباس
المفضلات