ولمّا لم يبق مع ريحانة رسول اللّه إلّا أهل بيته ، عزموا على ملاقاة الحتوف ، ببأس شديد ، ونفوس أبية ، وأقبل بعضهم يودع بعضاً ، وأول من تقدّم هو شبيه الحبيب المصطفى(ص) علي الأكبر
فأحطْنّ به النسوة ، وقلنّ : أرحم غربتنا ، فليس لنا طاقة على فراقك ،
فلم يعبأ بكلامهنّ ، وأستأذن أباه الحسين(ع) فبرز وهو يقول :
أنَا عليُّ بنُ الحُسينِ بنِ عَليَّ نَحْنُ وَبَيْتُ اللّهِ أولى بالنَّبـيِّ
أطعَنُكُمْ بالرُّمْحِ حتّى يَنثَني أَضرِبُكمْ بالسَّيفِ أحميِ عنْ أبي
ضرْبَ غلام هاشِمِيِّ عرَبي واللّهِ لا يَحْكُمُ فِينا ابنُ الدِّعيِّ
ولم يتمالك الحسين دون أن رفع شيبته المقدّسة نحو السماء ، وأرخى عينيه بالدموع ، وقال : اللّهم اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز اليهم أشبه الناس برسولك محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، وكنّا إذا اشتقنا إلى رؤية نبيك نظرنا اليه ، اللّهم أمنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقا ، واجعلهم طرائق قدداً ، (2) ولا ترضى الولاة عنهم أبداً ، فانّهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا .
وصاح يابن سعد : قطع الله رحمك ، كما قطعت رحمي ، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللّه ، ثم تلا قوله تعالى : (إنَّ اللّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبراهِيمَ وَالَ عِمرانَ عَلَى العالَمِينَ)
ولم يزل يُقاتل على الميمنة ويعيدها على الميسرة قتال الأبطال ،
حتى قتَلَ مائة وعشرين فارساً .
وقد اشتد به العطش ، فرجع إلى أبيه الحسين ، يستريح ، ويذكر ما أجهده من العطش ، فبكى الحسين صلوات اللّه عليه .. وقال : واغوثاه ، ما أسرع الملتقى بجدك فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً ، وأخذ لسانه فمصّه ليريه ظمأه فكان كشقّة مبرد من شدّة العطش ، ودفع اليه خاتمه ليضعه فيه .
الحرب قد بانت لها حقائق وظهرت من بعدها مصادق
واللّه رب العرش لا نفارق جموعكم أو تغمد البوارق
ورجع علي إلى قتال الأعداء يناجزهم بسيفه قتالاً شديداً ، وأكثر القتل في أعداء الله ... حتى قتل تمام المائتين . وقد ضجّ العسكر من كثرة الخسائر الفادحة التي مني بها
فقال مرّة بن منقذ العبدي ، عليَّ آثام العرب إن لم أثكل أباه به . وأسرع إلى شبيه رسول اللّه (ص) فطعنه بالرمح في ظهره ، وضربه بالسيف على رأسه ، ففلق هامته ... فاعنتق عليُّ فرسه .. فاحتمله الفرس إلى معسكر الأعداء ، وأحاطوا به أعداء اللّه وأعداء دينه ، حتى قطعوه إرباً إرباً ،
يامَن بُعِثت َ إلى البَرايا رَحمةً لِبَنِيكَ ‘ أُقسِمُ فيكَ ‘ جُنَّ جُنونِي
مالوا على مَن كُنتَ قَدْ أوصَيتَهُمْ فِيهِمْ ‘ بسيفِ ضَغينةٍ ومُجونِ
مَنْ كانَ في خَلْقٍ وأخلاقٍ إذا وَصَفوهُ ‘ كانَ لِـدُرِّكَ المَكْنـونِ
عاثَتْ بِحُسْنٍ مِنهُ جَمْعُ خُيولِهِمْ ونُصو لِهِم يـا ليَتَهُـم قَتَلونـيِ
إرَباً تَقَطَّعَ وهو يَهتِفُ يا أَبي مِنّي السّلام عَليكَ حـانَ مَنونِـي
فأتى إليهِ السِّبط قالوا مُسرِعاً وبكى وقالَ لقدْ حُبِطْـنَ ظُنونـي
ولدي على الدُّنيا إذا مُّتَّ العَفا في عالَمٍ بـالأ قربيـن خَـؤونِ
أنت استَرَحْتَ مِن الحياةِ وهَمِّها وبَقي أبوكَ لِغَمِّهـا المَلعـون
اذهب إلى دارِ النَّعيم لتَستَقي مِنْ كَفِّ جدِّكَ ‘ وانْطُرَنَّ ظُعونِي
وحدي بَقيتُ قِبالَ جيشِ أُمَيَّةٍ ولدي وصَحبي كُلُّهُـمْ تَرَكُونِـي
فأتَتهُ زينبُ تشتكي بتوجُّعٍ قالتْ أخي قَدْ هَدَّ نَوحُكَ مَضْجَعِـي
فأجابها يا أُختُ لِلخِدرِ ارجعي قولي لِليلى في أسىً : لاتَهْجَعي
قـــد قَـطَّـعـوا كَــبِــداً لــنــا بِـضُـعـونـي
ونادى رافعاً صوته : عليك مني السلام أبا عبد اللّه هذا جدي قد سقاني بكأسه الأوفى ثم قضى سلام اللّه عليه
فأسرع إليه الحسين(ع) وانكبَّ على ولده ، واضعاً خده على خده وهو يقول : قَتل اللّه قوماً قتلوك ، على الدنيا بعدك العفا
ما أجرأهم على الرحمن ، وعلى انتهاك حرمة الرسول ، يعزّ على جدك وأبيك أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثوك... :
ثم أمر فتيانه أن يحملوه إلى الخيمة فجاءوا به إلى الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه وحرائر بيت الوحي ينظرن إليه محمولاً قد جللته الدماء .
وقد وزع جثمانه الضرب والطعن، فاستقبلنه بعولة عظمى، وأمامَهُنَّ العقيلة
زينب الكبرى ابنة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها صارخة نادبة،
فألقت بنفسها عليه





رد مع اقتباس
المفضلات