وقاتلهم حبيب بن مظاهر الأسدي قتالاً شديداً ... وهو يرتجز
ويقول :




أنا حبيبٌ وأبي مُظَّهَرُ المظاهري فارسُ هيجاءٍ وحربٌ تسعرُ
أنتـم أعـدَّ عـدةً وأكثـرِ ونحـن أعلـى حجـةً واظهـرُ
حــقــاً واتــقـــى مـنــكــمٌ وأعـــــذرُ





فقَتَلَ على كِبَرِ سنِّه اثنين وستين رجلاً ، فبينا هو يصول في الميدان ،
حمل عليه بديل بن صريم فضربه بسيفه ، وطعنه آخر من تميم برمحه ،
فوقع إلى الأرض ، فذهب ليقوم وإذا بالحُصين يضربه بالسيف على رأسه ،
فسقط لوجهه ، ونزل إليه التميمي واحتز رأسه ومضى شهيداً رضوان اللّه عليه ،
فهَدَ مقتله الحسين(ع)
فقال : (ع) عند اللّه أحتسب نفسي وحماة أصحابي ، واسترجع كثيراً .
فوقف الحسين( ع) إلى الصلاة ، فصلى بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف في نصف من أصحابه .. وتقدّم سعيد بن عبداللّه الحنفي أمام الحسين( ع)
فاستهدف لهم يرمونه بالنبل يميناً وشمالاً ، وهو قائم بين يدي الحسين
يقيه السهام طوراً بوجهه وبصدره ، وطوراً بيديه وبجنبيه ، فلم يكد يصل
إلى الحسين(ع ) شي‏ء من ذلك ، ولمّا اُثخن سعيد بالجراح سقط إلى الأرض وهو يقول : اللّهم العنهم لعن عاد وثمود ، وأبلغ نبيكَ مني السلام ،
وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإنّي أردت بذلك ثوابك في نصرة ذرية نبيك) !
والتفت إلى الحسين(ع) قائلاً : أوفيت يا ابن رسول‏اللّه؟
قال الحسين(ع) : نعم أنت أمامي في الجنّة« .
ثم فاضت نفسه العظيمة إلى بارئها رضوان اللّه عليه ، فقد وجد أنه اُصيب بثلاثةِ عشر سهماً ، عدا الضرب والطعن
ولمّا فرغ الحسين سلام اللّه عليه من الصلاة ، قال لأصحابه : ياكرام هذه الجنّة قد فُتّحت أبوابها ، واتصلت أنهارها ، وأينعت ثمارها، وهذا رسول اللّه(ص ) والشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه يتوقعون قدومكم ، ويتباشرون بكم ، فحاموا عن دين اللّه ودين نبيه ، وذبوا عن حرم الرسول ).
فقالوا : نفوسنا لنفسك الوقاء ، ودماؤنا لدمك الفداء ، فو اللّه لا يصل إليك وإلى حرمكم سوء ، وفينا عرق يضرب .
فبعد أن قُتِل أكثر أصحاب الحسين(ع ) خرج الحر إلى البراز وخلفه
زهير بن القين يحمي ظهره ، فقاتل هو وزهير قتالاً شديداً ،
فكان إذا شدّ أحدهما وأستلحم شدّ الآخر حتى يخلّصه ، ففعلا ذلك ساعة
والحر يرتجز ويقول :




إني أنا الحر ومأوى الضيفِ أضرب في أعناقكم بالسيـفِ
عن خير من حلّ بأرض الخيفِ أضربكم ولا أرى من حيفِ





فقاتل قتال الأبطال ، فقال الحُصين بن نمير التميمي ليزيد بن سفيان ، هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله ! قال : نعم ، وخرج إليه يطلب المبارزة ؟ فبرز له فما لبث أن قتله الحر . وأخذ يكر فيهم وهو يحصد الرؤوس ، ويخمد النفوس ، حتى قتل في حملته الأخيرة ثمانون فارساً من أبطالهم ... فضج العسكر ، وصعب عليهم أمره فنادى ابن سعد بالرماة والنبّالة ، فأحدقوا به من كل جانب ، حتى صار درعه كالقنفذ ، وإنّ فرسه لمضروب على اُذنيه وحاجبيه ، وإنّ دماءه لتسيل ، فنزل
عن فرسه وعقرها لأنّها لم تستطع الاقتحام من كثرة السهام ، ووقف وقفة المستميت ، وأخذ يكر عليهم راجلاً ، فَقَتل منهم نيفاً وأربعين إلى أن سقط
على الأرض وبه رمق ، فكرّ عليه أصحاب الحسين(ع ) واحتملوه ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه ، وكان به رمق فقال الحسين(ع ) له :
وهو يمسح الدم عنه : أنت الحر كما سمتك أُمُّك حرُّ في الدنيا وسعيد في الآخرة ثم استعبر(ع)




لَنِعمَ الحرُ حرُ بني رياحي صبور عند مشتبك الرماحِ
ونِعْم الحرُ إذ فادى حسيناً وَجادَ بنفسه عند الصبـاحِ