الودّ المتقابل
بحار الأنوار 45/29:
جاء عبد الله وعبدالرحمن الغفاريّان إلى الحسين (عليه السلام)، فقالا: يا أبا عبد الله السلام عليك (إنّه) جئنا لنقتل بين يديك، وندفع عنك، فقال (عليه السلام):
مرحباً بكما ادنوا منّي، فدنوا منه، وهما يبكيان، فقال: يا بني أخي ما يبكيكما؟ فوالله أنّي لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين.
فقالا: جعلنا الله فداك والله ما على أنفسنا نبكي ولكن نبكي عليك نراك قد احيط بك، ولا نقدر على أن ننفعك.
فقال: جزاكما الله يا بني أخي بوجودكما من ذلك ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين ثمّ استقدما وقالا: السلام عليك يابن رسول الله.
فقال: وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته فقاتلا حتّى قتلا.
بعداً لقوم قتلوك
بحار الأنوار 45/ 34 ـ 36:
ثمّ خرج القاسم بن الحسن (عليه السلام) وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلمّا نظر الحسين إليه قد برز اعتنقه وجعلا يبكيان حتّى غشي عليهما، ثمّ استأذن الحسين (عليه السلام) في المبارزة فابي الحسين ان ياذن له، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه حتّى أذن له، فخرج ودموعه تسيل على خدّيه وهو يقول:
إن تنكروني فأنا ابن الحسن *** سبط النبيّ المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن *** بين اناس ﻻ سقوا صوب المزن
وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلاً، فشدّ عليه الأزدي فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسيف ووقع الغلام لوجهه، ونادى: يا عمّاه، فجاء الحسين (عليه السلام) كالصقر المنقضّ ودارت بينه وبين القوم مناوشات أثارت غبرة شديدة، فانجلت الغبرة فإذا بالحسين (عليه السلام) قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجله، فقال الحسين (عليه السلام):
يعزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعداً لقوم قتلوك.
ثم احتمله فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع صدره على صدره، فقلت في نفسي: ما يصنع؟ فجاء حتّى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
ثم قال: اللّهمّ احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً، صبراً يا بني عمومتي، صبراً يا أهل بيتي ﻻ رأيتم هواناً بعد هذا اليوم أبداً.
مع المعتدين
بحار الأنوار 45/31
وجاء رجل فقال: أين الحسين؟ فقال:
ها أنا ذا؟
قال: أبشر بالنار تردها الساعة.
قال: بل ابشر بربّ رحيم، وشفيع مطاع، من أنت؟
قال: أنا محمّد بن الأشعث.
قال: اللّهمّ إن كان عبدك كاذباً فخذه إلى النار، واجعله اليوم آية لأصحابه فما هو إلاّ أن ثنى عنان فرسه فرمى به وثبتت رجله في الركاب فضربه حتّى قطعه.
ثمّ جاء آخر فقال: أين الحسين؟
فقال: ها أناذا.
قال: أبشر بالنار.
قال: ابشر بربّ رحيم، وشفيع مطاع، من أنت؟
قال: أنا شمر بن ذي الجوشن.
قال الحسين (عليه السلام): الله أكبر قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رأيت كأنّ كلباً أبقع يلغ في دماء أهل بيتي وقال الحسين: رأيت كأنّ كلاباً تنهشني وكأنّ فيها كلباً أبقع كان أشدّهم عليّ، وهو أنت، وكان أبرص.
أنت صاحب لوائي
بحار الأنوار 45/ 40 ـ 42 عن المناقب وغيره:
كان العبّاس السقّاء قمر بني هاشم صاحب لواء الحسين (عليه السلام) وهو أكبر الإخوان، فلمّا رأى وحدته (عليه السلام) أتاه وقال: هل من رخصة؟ فبكى الحسين (عليه السلام) بكاءاً شديداً ثم قال:
يا أخي أنت صاحب لوائي وإذا مضيت تفرق عسكري.
فقال العباس: قد ضاق صدري وسئمت من الحياة واريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين.
فقال الحسين (عليه السلام): إن كان ولابدّ فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء.
فمضى العبّاس يطلب الماء فحملوا عليه وحمل هو عليهم وجعل يقول:
ﻻ أرهب الموت إذا الموت رقا *** حتى اواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطّهروقا *** انّي أنا العبّاس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشرّ يوم الملتقى
ففرّقهم وقتل منهم ثمانين رجلاً حتّى دخل الماء فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، فرمى الماء على الماء وقال:
يا نفس من بعد الحسين هوني *** وبعده ﻻ كنت أن تكوني
هذا الحسين وارد المنون *** وتشربين بارد المعين
تالله ما هذا فعال ديني *** ولا فعال صادق اليقين
ثم ملأ القربة وحملها متوجهاً نحو الخيمة فقطعوا عليه الطريق وأحاطوا به من كل جانب فكمن له زيد بن ورقاء الجهني من وراء نخلة وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم وهو يرتجز:
والله إن قطعتم يميني *** إنّي احامي أبداً عن ديني
وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبيّ الطاهر الأمين
فقاتل حتى ضعف، فكمن له الحكيم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة فضربه على شماله فقال:
يا نفس ﻻ تخشي من الكفّار *** وأبشري برحمة الجبّار
مع النبي السيّد المختار *** قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا ربّ حرّ النار
ثم جاء سهم فأصاب القربة واريق ماءها، فوقف متحيّراً، لاماء حتى يوصله إلى الخيمة، ولا يد حتى يحارب بها، وبينما هو كذلك وإذا بسهم أصاب عينه، ثم ضربه ظالم بعمود من حديد على رأسه فانقلب عن فرسه وصاح أخاه الحسين (عليه السلام) قائلاً: يا أخي أدرك أخاك.
فلمّا أتاه الحسين (عليه السلام) ورآه صريعاً على شاطئ الفرات بكى وقال:
الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي، ثم توجّه إلى القوم وأنشأ يقول:
تعدّيتم يا شرّ قوم بفعلكم *** وخالفتم قول النبيّ محمد
أما كان خير الرسل وصاكم بنا *** أما نحن من نسل النبيّ المسدّد
أما كانت الزهراء امّي دونكم *** أما كان من خير البريّة أحمد
لعنتم واخزيتم بما قد جنيتم *** فسوف تلاقوا حرّ نار توقّد
ومع غريب أرض كربلا نتابع رحم الله من ذكر القائم من آل محمد .





رد مع اقتباس
المفضلات