ما عزّ المرء؟


كفاية الأثر 232 ـ 234: حدّثنا علي بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسين الكوفي، قال: حدثنا محمد بن محمود قال: حدثنا أحمد بن عبد الله الذاهل (الذهلي خ ل) قال: حدثنا أبو حفص الأعشي عن عنبسة بن الأزهر، عن يحيى بن عقيل،
عن يحيى بن يعمن قال: كنت عند الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّماً أسمر شديد السمرة، فسلّم فرد (عليه) الحسين (عليه السلام)، فقال: يابن رسول الله مسألة. قال:

هات.

قال: كم بين الإيمان واليقين؟

قال: أربع أصابع.

قال: كيف؟

قال: الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه، وبين السمع والبصر أربع أصابع.

قال: فكم بين السماء والأرض؟

قال: دعوة مستجابة.

قال: فكم بين المشرق والمغرب؟

قال: مسيرة يوم للشمس.

قال: فما عزّ المرء؟

قال: استغناؤه عن الناس.

قال: فما أقبح شيء؟

قال: الفسق في الشيخ قبيح، والحدّة في السلطان قبيحة والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغناء، والحرص في العالم.

قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل.

قال: فسمّهم لي.

قال: فأطرق الحسين (عليه السلام) مليّاً رفع رأسه فقال: نعم اخبرك يا أخا العرب، انّ الإمام والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أبي) أمير المؤمنين عليّ بن أبيطالب (عليه السلام) والحسن وأنا وتسعة من ولدي، منهم عليّ ابني، وبعده محمد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان.

قال: فقام الأعرابي وهو يقول:

مسح النبيّ جبينه *** فله بريق في الخدود

أبواه من أعلا قريش *** وجدّ خير الجدود

أحذر عقوق الوالدين


بحار الأنوار 41/ 224 ـ 228، ح 37: عن مهج الدعوات: روى جماعة يسندون إلى الحسين بن علي (عليه السلام) قال:
كنت مع عليّ بن أبيطالب (عليه السلام) في الطواف ليلة ديجوجة قليلة النور وقد خلا الطواف ونام الزوّار وهدأت العيون إذ سمع مستغيثاً مستجيراً مترحّماً بصوت حزين من قلب موجع وهو يقول:

يا من يجيب دعاء المضطّر في الظلم *** يا كاشف الضرّ والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا *** يدعو وعينك يا قيّوم لم تنم

هب لي بجودك فضل آلعفو عن جرمي *** يا من أشار إليه الخلق في الحرم

إن كان عفوك ﻻ يلقاه ذو سرف *** فمن يجود على العاصين بالنعم؟

قال الحسين بن عليّ صلوات الله عليهما: فقال لي أبي: يا أبا عبد الله أسمعت المنادي لذنبه المستغيث ربّه؟

فقلت: نعم قد سمعته.

فقال: اعتبره عسى أن تراه فما زلت أختبط في طخياء الظلام وأتخلّل بين النيام فلمّا صرت بين الركن والمقام بدا لي شخص منتصب، فتأمّلته فإذا هو قائم.
فقلت: السلام عليك أيّها العبد المقرّ المستغفر المستجير، أحب بالله ابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأسرع في سجوده وقعوده وسلّم فلم يتكلّم حتّى أشار بيده بأن: تقدّمني، فتقدّمته فأتيت به أمير المؤمنين فقلت: دونك هاهو، فنظر إليه فإذا هو شابّ حسن الوجه، نقيّ الثياب، فقال له: ممّن الرجل؟

فقال له: من بعض العرب.

فقال له: ما حالك وممّ بكاؤك واستغاثتك؟

فقال: ما حال من اخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب وغمره الإكتئاب، فإن تاب فدعاؤه ﻻ يستجاب.

فقال له عليّ (عليه السلام): ولم ذاك؟

فقال: إنّي كنت ملتهياً في العرب باللّعب والطرب، أُديم العصيان في رجب وشعبان، وما اُراقب الرحمن وكان لي والد شفيق رفيق يحذّرني مصارع الحدثان ويخوّفني العقاب بالنيران، ويقول: كم ضجّ منك النهار والظلام واللّيالي والأيّام والشهور والأعوام والملائكة الكرام، وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته ووثبت عليه وضربته، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق وكانت في الخباء، فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه فما نعني عن أخذها، فأوجعته ضرباً ولوّيت يده وأخذتها ومضيت، فأومأ بيده إلى ركبته يريد النهوض من مكانه ذلك فلم يطق يحرّكها من شدّة الوجع والألم فأنشأ يقول:

جرت رحم بيني وبين منازل *** سواء كما يستنزل القطر طالبه

وربّيت حتّى صار جلداً شمر دلاً *** إذا قام ساوى غارب العجل غاربه

وقد كنت اوتيه من الزاد في الصبا *** إذا جاع منه صفوه وأطائبه

فلمّا استوى في عنفوان شبابه *** وأصبح كالرمح الردينيّ خاطبه

تهضّمني مالي كذا ولوي يدي *** لوى يده الله الذي هو غالبه

ثم حلف بالله ليقد منّ إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ، فصام أسابيع وصلّى ركعات ودعا وخرج متوجّهاً على عيرانة يقطع بالسير عرض الفلاة ويطوي الأودية ويعلو الجبال حتّى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر، فنزل عن راحلته وأقبل إلى بيت الله الحرام، فسعى وطاف به وتعلّق بأستاره وابتهل بدعائه وأنشأ يقول:

يا من إليه أتى الحجّاج بالجهد *** فوق المهادي من أقصي غاية البعد

إنّي أتيتك يا من ﻻ يخيّب من *** يدعوه مبتهلاً بالواحد الصمد

هذا منازل من يرتاع من عققي *** فخذ بحقّي يا جبّار من ولدي

حتّى تشلّ بعون منك جانبه *** يا من تقدّس لم يولد ولم يلد

قال: فو الّذي سمك السماء وأنبع الماء ما استتمّ دعاءه حتّى نزل بي ما ترى ثمّ كشف عن يمينه فإذا بجانبه قد شلّ، فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو لي في الموضع الّذي دعا به عليّ فلم يجبني، حتّى إذا كان العام أنعم عليّ فخرجت به على ناقة عشراء اجدّ السير حثيثاً رجاء العافية، حتّى إذا كنّا على الأراك وحطمة وادي السياك نفر طائر في اللّيل فنفرت منها الناقة الّتي كان عليها، فألقته إلى قرار الوادي فارفضّ بين الحجرين فقبرته هناك، وأعظم من ذلك أنّي ﻻ اعرف إلاّ المأخوذ بدعوة أبيه، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أتاك الغوث أتاك الغوث، ألا اعلّمك دعاء علّمنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفيه اسم الله الأكبر الأعظم الأكرم الّذي يجيب به من دعاه، ويعطي به من سأله، ويفرّج به الهمّ، ويكشف به الكرب، ويذهب به الغمّ، ويبرئ به السقم، ويجبر به الكسر، ويغني به الفقير، ويقضي به الدين ويردّ به العين، ويغفر به الذنوب، ويستر به العيوب؟ إلى آخر ما ذكره (عليه السلام) في فضله.

قال الحسين (عليه السلام): فكان سروري بفائدة الدعاء أشدّ من سرور الرجل بعافيته.

ثمّ ذكر الدعاء على ما سيأتي في كتابه، ثمّ قال للفتى: إذا كانت اللّيلة العاشرة فادع وائتني من غد بالخبر.

قال الحسين بن عليّ (عليه السلام): وأخذ الفتى الكتاب ومضى، فلمّا كان من غد ما أصبحنا حسناً حتّى أتى الفتى إلينا سليماً معافى والكتاب بيده وهو يقول: هذا والله الإسم الأعظم استجيب لي وربّ الكعبة.

قال له عليّ صلوات الله عليه: حدّثني.

قال: لمّا هدأت العيون بالرقاد واستحلك جلباب اللّيل رفعت يدي بالكتاب ودعوت الله بحقّه مراراً، فأُجبت في الثانية: حسبك فقد دعوت الله باسمه الأعظم، ثمّ اضطجعت فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامي وقد مسح يده الشريفة عليّ وهو يقول: احتفظ بالله العظيم، فإنّك على خير، فأنتبهت معافى كما ترى فجزاك الله خيراً.

ولكلام ابو السجاد روحي فداهم بقية رحم الله من ذكر القائم من آل محمد .