معاناة السيد القاضي في طريق العرفان
إنّ السالك في طريق العرفان يحتاج إلى مراقبة مستمرة لسلوكه ليتخلّى عن كل رذيلة ويتحلّى بكل فضيلة , وهو ما اصطلح عليه رسول الله صلى الله عليه واله بالجهاد الأكبر , وهكذا يرى السالك نفسه دائماً في محضر الحق سبحانه وتعالى .
يقول العلاّمة الطهراني : قال لي أحد أصدقائي من علماء الدين في النجف الأشرف والذي تتلمذ طويلا على السيد القاضي : قبل أن أتعرف على السيد القاضي كنت كلما رأيته ازددت حبا له , ولأني كنت شاكاً في سلوك طريق الوصول إلى الله تعالى فقد كنت مقصراً في الذهاب إليه , إلى أن أرسل لي صديق من شيراز دينارين لأوصلهما إلى المرحوم القاضي , وكان المرحوم يقيم صلاة الجماعة في منزله بحضور بعض مريديه , فذهبت إلى منزله غروباً لحضور الجماعة وأداء الأمانة إليه , فصلى المغرب بمجرد استتار قرص الشمس طبقاً لنضره الفقهي وفتواه في ذلك و وكانت صلاة عجيبة وذات روحية عالية , ثم صلوا النوافل وقرأوا التعقيبات , ثم جلسوا طويلاً حتى دخل وقت العشاء فأدوا الصلاة بروحية وطمأنينة لا مثيل لها , فأثر ذلك بي كثيراً , وبعد انتهاء الصلاة ذهبت إليه وجلست عنده وأعطيته الأمانة ثم قلت له : أودّ أن أسألك سؤالاً فهل تسمح لي بذلك ؟ فقال: سل يا ولدي . فقلت : إني أريد أن أعرف هل أنّ إدراك التوحيد ولقاء الله وسيركم في هذا الطريق هل له حقيقة أم هو مجرد خيال ؟ فاحمر وجه السيد القاضي ووضع يده على محاسن وجهه وقال :أنا يا ولدي ومنذ أربعون عاماً في حضرة الحق تعالى فهل هذا خيال ووهم ؟! فاستحييت على ما كان منّي وودعته وانصرفت .
ويقول آية الله السيد محمد الحسيني الهمداني صاحب تفسير " أنوار درخشان " أي الأنوار الساطعة : كنت أسكن في مدرسة قوام في النجف الأشرف وكان للسيد علي القاضي غرفة صغيرة في زاوية المدرسة فتعجبت من ذلك ثم علمت أنه اختار السكن في هذه الغرفة لضيق منزله وكثرة عياله وأولاده ليجد الهدوء والخلوة للتهجد والعبادة , وخلال وجودي في مدرسة قوام لم أر السيد القاضي قضى ليلة نائماً وكان يحي الليل بالنوح والبكاء , وقد رأيت في أثناء هذه الفترة القصيرة التي قضيتها معه حالات فريدة لم أرها من أحدٍ غيره سوى النائيني والكمباني . فكان يختلف عن جميع الأساتذة والطلاب الذين عرفتهم في حوزة النجف الأشرف في تمام سلوكه وأخلاقه الاجتماعية والعائلية والدراسية , فهو دائم السكوت ولا يتكلم إلا نادراً, وكان يبادر أحياناً إلى الحديث من غير سؤال , وكنت أشعر أنه يعاني أحياناً من صعوبة كبيرة في الجواب , حتى اطلعت صدفة على شيء جلب انتباهي , وهي وجود غدّة زرقاء في باطن فم السيد القاضي , فسألته عن ذلك فامتنع عن جوابي , فأصررت عليه وبيّنت له أنّ قصدي هو مجرد التعلّم لا شيء آخر , فلم يجبني أيضاً ,إلى أن خلوت معه في جلسة مرّة فبادرني قائلاً : يا سيد محمد يجب أن تتحمّل مصاعب جمّة من أجل طي المسافة الطويلة في السير والسلوك , ويجب عليك أيضاً أن تترك أموراً كثيرة , فقد كنت في أيام شبابي وفي ابتداء سلوكي في هذا الطريق أردت أن الجم لساني وأسيطر عليه فوضعت حصاة في فمي مدّة (26) عاماً لكي امتنع عن الكلام والحديث الفارغ , وهذه الغدة الزرقاء التي تراها في باطن فمي هي من آثار تلك المرحلة .
وهكذا يحتاج أمر التربية الأخلاقية والروحية إلى معاناة طويلة وصبر دؤوب واجتهاد مستمر ورغبة ملحة وعزماً صادقاً , حتى إذا أشرف السالك على اليأس انفتحت له أبواب الفرج , قال عزّ من قائل : { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنّهم قد كذبوا أتاهم نصرنا } .





رد مع اقتباس

المفضلات