سجاياه الأخلاقية



كما تدلل القصة التالية التي نقلها ولده السيد محمد حسن عن مدى تواضعه الكبير , يقول : " كان والدي يفضل إرتداء الثياب ذات اللون الأبيض , وكان له صديق فحام في مدينة الكوفة , كان لزاما عليه أن يزور هذا الصديق في الشهر مرّة على الأقل , فكان يذهب إلى حانوته , ويجلس على الأرض ولا يبالي , وقد يطول المقام ساعات , والفحام لا يتوقف عن العمل كلما جاءه شخص لشراء الفحم يقوم ببيعه ما يريد من الفحم , فيرتفع غبار الفحم وهو جالس دون أن يعير أي اهتمام إلى ما يتناثر على ملابسه ووجهه من رذاذ الفحم , نعم كان يشير بعصاه لنا - ونحن صغار - بعدم الدخول في الحانوت , خوفاً من إزعاج أمهاتنا .



وبعد أن ينتهوا من الحديث والنجوى , يغادر الحانوت وقد علاه البشر وتهللت أسارير وجهه , وهو يتمتم بشفتيه بشيء لا نفهمه , ويذهب إلى داره في الكوفة فتستقبله زوجته أم حسين بالصراخ مما ترى عليه من آثار الفحم , وهو يهدؤها بمساعدتها في غسل الملابس.


ذكر لي هذا أخي السيد مهدي القاضي, وكان يكبرني أكثالحالة. سنوات , مما يظهر أن صحبته مع هذا الفحام كانت منذ مدة طويلة .



من الغريب أنه كان يمر بالسوق والزقاق وهو على تلك الحالة .



وكان بشوشا منشرح الصدر ودوداً حلو المعاشرة . يقول العارف السيد هاشم الرضوي الكشميري الذي كان من تلاميذ السيد القاضي : عندما كنا نذهب إلى السيد القاضي كان يهب لنا سروراً وارتياحاً وانبساطاً روحياً ننسى معه جميع مصاعب الحياة ومشكلاتها .


وكان من سجاياه الأخلاقية أيضا مراعاته للناس في معاملاته اليومية وخاصة الضعفاء والفقراء منهم. يقول آية الله الحسيني الهمداني : كانت جميع تصرفات أستاذنا القاضي خاضعة للتربية والتهذيب وكانت تلك الفترة القصيرة التي قضيتها معه كالخيال الخاطف وكنت التقي به احياناً في أوقات شرائه الفاكهه والخضار لعائلته فأرى كيف كان يخضع أفعاله حتى عند شراء الفاكهه إلى التزكية ففي الوقت الذي كان الناس ينتقون أفضل أنواع الفاكهه كان هو على العكس من ذلك يختار الفاكهه غير الجيدة من بين الفاكهه التي كانت تُباع بسعر واحد بالتقاء المشتري وعندما كنت أسأله عن علة ذلك يقول : إن فائدة جميع الفاكهه واحد ففي حين يأخذ الآخرون الفاكهه الجيدة تبقى الأنواع غير المرغوبة لا مشتري لها فيضيع حقه فأنا اشتري ما لا يرغب فيه الآخرون لئلاّ يضيع حق للبائع .


ويواصل السيد الهمداني حديثه قائلاً : ومن سجاياه الأخلاقية الأخرى للسيد القاضي هو ميله الانزواء والابتعاد عن طلب الشهرة وفي الوقت الذي كان يسعى العلماء والطلاب في النجف الأشرف لحضور دروسه والاستماع إلى توجيهاته ونصائحه كان هو يسعى إلى الاختفاء والابتعاد عن الاجتماعات والتجمعات


وكان يحب الفقراء والكسبه ويحاول مساعدتهم بنحو لائق يحفظ ماء وجوههم يقول العلامة الطهراني :قال لي احد أصدقائي النجفيين –وهو الآن من أعلام النجف-: ذهبت يوماً إلى دكان بائع الخضار فرأيت السيد القاضي يشتري خسّاً ولكنّه على خلاف عادة الناس كان ينتقي الخس الذابل وذو الأوراق الخشنه ووزن البائع الخس ونقّده السيد الثمن وحمل الخس تحت عباءته وذهب وكنت أنذاك طالباً في أوائل شبابي والسيد القاضي رجل مُسنّ-فلحقته وسألته عن علّة فعله هذا فأجابني بأنّ هذا الكاسب رجل فقير وأنا أساعده أحياناً ولا أريد أن أعطيه شيئاً بلا مقابل لئلا يخجل ويذهب ماء وجهه العزيز وحتى لا يألف –والعياذ بالله –أن يأخذ مجّاناً وبلا مقابل فتقّل همتّه للتكسب والعمل ونحن لا فرق عندنا بين أن نأكل الخس الجيد أو الرديء وأعلم أنه سيلقى هذا الخس في المزبلة بعد الظهر لأن أحداً لا يشتريه منه .