(وافتح اللّهمّ لنا) عطف على صلّ (مصاريع الصباح) جمع مصراع، والمصراعان من الأبواب، وبه شبّه المصراعان في الشعر (بمفاتيح) هو جمع مفتاح (الرحمة) وهي رقّة في القلب تقتضي الإحسان، ويضاف إليها باعتبار غايتها (والفلاح) هو الظفر، وإدراك البغية، وفي بعض النسخ بدل الفلاح النجاح
____________

وألبسنا اللّهمّ من أفضل خلع الهداية والصلاح، واغرس اللّهمّ بعظمتك

والنجح والنجاح والظفر بالحوائج.
(وألبسني) من الإلباس أي ألبسني خلعة (من أفضل خلع) وهي جمع خلعة (الهداية) قد تطلق على إراءة الطريق كما في قوله تعالى: (وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى) وقد تطلق على الإراءة والإيصال إلى المقصد كما في قوله تعالى: (إنّك لا تهدي من أحببت) (والصلاح) هو ضدّ الفساد.
(واغرز اللّهمّ) إمّا بتقديم الراء المهملة على المعجمة، يقال: غرزت الجرادة بذنبها في الأرض تغريزاً، وغرزت الشيء بالإبرة أغرزه غرزاً، وإما بتقديم المعجمة من باب الأفعال، كما في بعض النسخ، والغزارة الكثرة، وفد غرز الشيء بالضمّ يغزر فهو غزر، وغزرت الناقة غزارة كثر لبنها (بعظمتك) عظم الشيء وأصله كبر عظمة، ثمّ اُستعير لكلّ كبير فاُجري
____________

في شرب جناني ينابيع الخشوع، وأجر اللّهمّ لهيبتك من أماقي زفرات الدموع وأدِّب اللّهمّ نزق الخرق منّي

مجراه محسوساً كان أو معقولا عيناً كان أو معنىً (في شرب) هو بكسر الشين الحظّ من الماء (جناني) هو بالفتح القلب (ينابيع) جمع ينبوع وهو عين الماء، من نبع الماء ينبع ونبع نبوعاً أي خروجاً (الخشوع) هو الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح والضراعة أكثر ما يستعمل فيما يوجد في القلب.
(وأجر) من الأجراء (بهيبتك) على الإجلال والمخافة (من آماقي) موق العين طرفها ممّا يلي الأنف والاُذن، واللحاظ طرفها الذي يلي الاُذن. والجمع آماق وأمآق (زفرات الدموع) هي جمع دمع والزفرة بالكسر القربة، ومنه قيل للإماء اللواتي يحملن القرب: زوافر.
(وأدِّب اللّهمّ) من التأديب (نزق الخرق منّي) النزق هو الخفّة والطيش والخرق ضدّ الرفق، وقد خرق يخرق خرقاً، والإسم الخرق بالضمّ، وقال في القاموس: الخرق بالضمّ وبالتحريك ضدّ الرفق انتهى، وقال في النهاية: وفي الحديث
____________

بأزمّة القنوع. إلهي! إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق، فمن السالك بي إليك في واضح الطريق، وإن أسلمتني أناتك

الرفق يمن والخرق شوم، الخرق بالضمّ الجهل والحمق (بأزمّة) جمع زمان وهو الخيط الذي في البرة أو في الخشاش ثمّ يشدّ في طرفه المقود، وقد يسمّى المقود زماماً والخشاش بالكسر الذي في أنف البعير، وهو من خشب والبرة من صفر، والخزامة من شَعر (القنوع) هي بالضمّ السؤال والتذلّل للمسألة، وقد شبّه (عليه السلام) نزق الخرق أي الطيش الناشيء من غلظة الطبيعة بحيوان يحتاج إلى أن يؤدّب بالأزمّة.
(اللّهمّ إن لم تبتدئني الرحمة منك) أي لم تبتدءني شأني رحمتك (بحسن التوفيق) هو جعل الله تدبيرنا موافقاً لتقديره (فمن) بالفتح للإستفهام (السالك) السلوك النفاذ في الطريق (بي) المشهور أنّ مثل هذه الباء للتعدية، ويمكن أن يقال: المراد فمن السالك معي أي بمصاحبتي، ولا يخفى أ نّه أبعد عن التكلّف (واضح الطريق) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الطريق الواضح.
(وإن أسلمتني) أي سلّمتني (أناتك) أي حلمك، ويقال تأنّى في الأمر ترفّق وانتظر، والإسم الأناة مثل قناة


لقائد الأمل والمُنى، فمن المقيل عثراتي من كبوات الهوى، وإن خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان، فقد وكلني خذلانك إلى حيث النصب

(لقائد الأمل) أي الرجاء، ويقال: قُدت الفرس وغيره أقوده قوداً ومقاودة وقيدودة، والمنى بالضمّ جمع مُنية، وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمنّي الشيء (فمن المقيل) يقال: أقلت البيع إقالة أي فسخته (عثراتي) العثرة الزلّة أي فمن يفسخ ويمحو زلاّتي الحاصلة (من كبوات) يقال كبا بوجهه يكبو سقط (الهوى) هو بالقصر هوى النفس، وجمعه أهواء.
(وإن خذلني نصرك) يقال خذلانه خذلانا أي ترك عونه ونصره (عند محاربة النفس) أي وقت محاربتي للنفس الأمّارة بالسوء ومحاربة (الشيطان) وهو عند الصوفية النفس الكلّية التي تتمثّل أحياناً بالصور الجسمانية، وقيل: هو القوة الواهمة (فقد وكلني) يقال: وكله إلى نفسه وكلا ووكولا، وهذا الأمر موكول إلى رأيك (نصرك) وفي بعض النسخ (خذلانك)، (إلى حيث النصب) أي إلى مكان فيه النصب، وهو بفتح
____________


والحرمان. إلهي! أتراني ما أتيتك إلاّ من حيثُ الآمال، أم علقتُ بأطراف حبالك إلاّ حين باعدت بي ذنوبي عن دار الوصال

النون والصاد التعب (والحرمان) أي المحروم الذي لم يوسّع عليه في الرزق، كما وسّع على غيره.
(إلهي) أي يا معبودي من أله إلهيّة أي عبد (أتراني) من الرؤية، وهمزة الإستفهام هاهنا للإنكار (ما أتيتك) من الإتيان، والمراد به التوجّه إليه تعالى، (إلاّ من حيثُ الآمال) أي ليس توجّهي إليك إلاّ لأجل الآمال، وأمّا التوجّه الخالص الصافي عن الأغراض النفسانية فلم يوجد منّي (أم) تراني (علقت) بكسر اللام أي تعلّقت يقال: علق به علقاً أي تعلّق به (بأطراف حبالك) أي حبال فضلك وكرمك (إلاّ حين باعدتني) أي أبعدتني، وفي بعض النسخ (أبعدتني)، (ذنوبي) جمع ذنب وهو الكدورة الحاصلة لمرآة القلب من ارتكاب القبائح (عن ضربة الوصال) الضربة بالكسر أبيات
____________


فبئس المطيّة التي امتطأت نفسي من هواها، فواهاً لها لما سوّلت لها ظنونها ومناها، وتبّاً لها لجرأتها على سيّدها ومولاها. إلهي قرعت باب

مجتمعة (فبئس المطيّة) هي واحد المطيّ يذكّر ويؤنّث (التي امتطأت نفسي) أي امتطأته نفسي، يقال: امتطأتها أي اتّخذتها مطيّة (من هواها) بيان المطيّة والضمير، راجع إلى النفس فإنها مؤنّث سماعي.


>>>>> يتبع