مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملاءمة كيفيّاته،

مجانسة مخلوقاته) أي أي عن أن يكون من جنسها إذ لا يشاركه شيء في الماهيّة والخلق أصله التقدير المستقيم ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء قال تعالى: (خلق السموات والأرض) وفي إيجاد الشيء من الشيء نحو (خلق الإنسان من نطفة) وليس الخلق بمعنى الإبداع إلاّ لله، ولذا قال: (أفمن يخلق كمن لا يخلق) وأمّا الخلق الذي يكون بمعنى الإستحالة فعامّ قال تعالى: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني).
(و) يامن (جلّ) أي ترفّع (عن ملائمة كيفيّاته) أي عن أن يكون ملائماً ومناسباً بكيفيّات المخلوق، فالضمير راجع إلى المخلوق المذكور في ضمن مخلوقاته كما رجع (هو) في قوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) إلى العدل المذكور في ضمن اعدلوا و "كيف" للإستفهام عن الحال، والكيفيّة منسوبة
____________

يا من قرب من خواطر الظّنون، وبَعُد عن ملاحظة العيون،

إلى الكيف، أي الحال المنسوب إلى كيف، والتأنيث له باعتبار الحال فإنّها تؤنّث سماعاً.
(يا من قرب من خواطر الظّنون) أي من كان قريباً من الظنون الذي تخطر بالقلوب، وفيه إيماء إلى أنّ العلم بذاته وصفاته مستحيل، وغاية الأمر في هذا المقام هو الظنّ والخطرات جمع خطرة وهي الخطور.
(و) يامن (بَعُد عن ملاحظة العيون) يلوح منه أنّ الله تعالى يمكن إدراكه بالعقل ولا يمكن إبصاره بالعين، كما هو مذهب المعتزلة، ويؤيّده قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) والتحقيق أنّه لا يمكن أن يحوم الأبصار حول جنابه في مرتبة إطلاقه، وإن أمكن إبصاره في مرتبة التمثّل والتنزّل إلى مراتب الظهور، ومدارج البروز، ولذا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّكم سترون ربّكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته، والكلام السابق ينادي بأنّه (عليه السلام) في هذا
____________

وعَلِمَ بما كان قبل أن يكون. يامن أرقدني في مهاد أمنه وأمانه،

المقام بصدد التنزيه، فاللائق به نفي الأبصار، ولا يبقى في هذا المشهد السنيّ نزاع بين الأشاعرة والمعتزلة في مسألة اللقاء وفي بعض النسخ "وكان بلا كيف مكنون" أي مستور عن العقول، فكيف بالكيف الظاهر، و "ولا كيف" هاهنا بمنزلة كلمة واحدة، ولذا دخل عليه حرف الجرّ وجعلها مجرورة.
(و) يامن (عَلِمَ بما كان قبل أن يكون) الكون المستعمل هاهنا تامّ أي تعلّق علمه بما وجد في الخارج، قبل أن يوجد فيه، وذلك لأنّ لجميع الأشياء صوراً علميّة أزليّة في ذات الحقّ ويسمّى تلك الصور أعياناً ثابتة وشؤوناً إلهيّة، وهي التي سمّاها الحكماء بالماهيّات، وتخرج من مكمن الغيب العلميّ إلى مشهد الشهادة العينية تدريجاً على حسب استعداداتها.
(يامن أرقدني) أي أنامني قبل هذا الصباح (في مهاد أمنه وأمانه) المهد مهد الصبيّ، والمهاد الفراش، والأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، والأمان والأمانة في الأصل مصدران، وقد يستعمل الأمان في الحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن.

وأيقظني إلى ما منحني به من مِنَنهِ وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عنّي بيده وسلطانه. صلّ اللّهمّ

(و) يامن (أيقظني) أي نبّهني من النوم متوجهّاً (إلى ما منحني) أي أعطاني يقال: منحه يمنحه ويمنحه بالفتح والكسر، والإسم المنحة بالكسر، وهي العطيّة (به) الضمير راجع إلى ما (من مِنَنهِ وإحسانه) بيان لما، والمنن جمع منّة، وهي النعمة الثقيلة.
(و) يامن (كفّ أكفّ السوء عنّي) الأكفّ بضمّ الكاف جمع الكفّ، والسوء ما يغمّ الإنسان، وأثبت للسوء أكفاً كما يثبتون للمنيّة أظفاراً ومخالب (بيده) أي قدرته الباهرة (وسلطانه) أي سلطنته القاهرة، قال تعالى: (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطاناً).


>>>>> يتبع