الركوع
بعد إتمام القراءة يدخل المصلي في الركوع، أي ينحني أمام الله؛ القوة الكامنة وراء ذروة التفكير الإنساني في آفاق الخصال الحميدة والعظيمة.
الركوع مثال لخضوع الإنسان أمام القدرة التي يعتقد أنّها أقوى منه. ولأنّ المسلم يرى أنّ الله فوق كلّ القدرات فهو يركع أمامه، ولأنّه لا يرى أيّ موجود غير الله أعلى وأفضل من إنسانيته فو لا ينحني لأيّ شيء أو شخص آخر.
وفي هذه الحالة يظهر أمام الله بمظهر الخضوع ولسانه يلهج بحمد الله وبيان عظمته.
سبحان ربي العظيم وبحمده[1]
إن هذه الحركة التي تؤدى بشكل متناسق مع ما يلهج به تظهر له ولمن يراه على هذه الحال العبودية لله، وبما أن من يعبد الله لا يكون عبداً لغير الله، فهي تعلن له صراحة حريته من عبودية غير الله.
السجود
من رفع الرأس من الركوع وفي حين التهيؤ لتواضع وخضوع أكثر يهوي إلى الأرض. إنّ وضع الجبهة على الأرض علامة لأعلى مستوى لخضوع الإنسان، وإنّ المصلي يرى هذا الحد من نصاب الخضوع يناسب الله، إذ إنّ الخضوع لله هو خضوع لكل ما هو حسن وللجمال المطلق. ويرى ذلك حراماً وغير جائز بالنسبة لكل شيء وشخص غير الله، إذ إنّ جوهر الإنسان وهو أثمن بضاعة في متجر الوجود يتحطم بهذه العملية ويغدو الإنسان ذليلاً ومنكسراً، وبينما هو واضع رأسه على الأرض، غارق في عظمة الله، يبرز اللسان قائلاً باتساق تام ما يفسر في الحقيقة عمله ويشرحه.
سبحان ربيّ الأعلى وبحمده[2]
الله الأعلى، الله المنزّه والمطهر، وأمام هذه القوة فقط ينبغي للإنسان أن يلهج بالثناء ويضع جبهته على التراب.
فإذن سجدة الصلاة ليست انحناءة أمام موجود ناقص وضعيف لا قيمة له كالهوي أمام الأصنام والقدرات الخاوية، بل هو هوي أمام الأعلى والأطهر والأعز.
إنّ المصلي بهذه الحركة يعلن بشكل عملي انصياعه لله الحكيم والبصير، وقبل كل شيء يلقن نفسه هذا التسليم والانقياد. إنّ قبول هذه العبودية المطلقة لله ـ كما أسلفنا ـ هو الذي يرفع عن الإنسان قيود عبادة كلّ شيء وشخص، ويخلصه من الأسر والذلة التي هو فيها.
إن أهم أثر يرتجى من هذين الذكرين (ذكر الركوع والسجود) هو تعليم المصلي أمام أي شيء يجب أن يخضع وينثني؛ وهذا معناه نفي كل ما عدا الله، وربما يشير إلى هذا الأمر الحديث المنقول عن الإمام (ع): "أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد"[3].
التشهد
في الركعة الثانية وفي الركعة الأخيرة لكلّ صلاة بعد أن يرفع المصلي رأسه من السجدتين يتلفظ بثلاث جمل تبيّن كل واحدة منها حقائق من الدين، وتسمى هذه العملية المقترنة بالألفاظ (التشهد).
يشهد في الجملة الأولى بتوحيد ربّ العالمين: "أشهد أن لا إله إلا الله"، ثمّ يؤكد هذه الحقيقة بهذا النحو: "وحده"، ثم يؤكدها بنحو آخر: "لا شريك له".
كلّ ما يجر الإنسان إلى عبادته ويصيره مطيعاً له فهو إلهه؛ الهوس والميول الحيوانية، أو الشهوات والآمال الإنسانية، أو النظم والمقررات الجماعية وواضعوها وزعماؤها، كل واحدة منها تدعو الإنسان بشكل من الأشكال إلى عبوديتها وتأليهها[4].
وإن "لا إله إلا اله" نفي لكل هذه الربوبيات؛ والتشهد شهادة من المصلي على هذا النفي، أي أنّ المصلي يتقبل ويخضع أنّ الله وحده هو الذي له حقّ الامرة والألوهية عليه، وأن ليس لكل ما سواه حاكمية عليه.
وعندما يعتقد الإنسان بهذا الشيء فسوف لا يحق له هو أيضاً أن يعبد كائناً آخر من قبيل البشر أو الحيوانات أو الملائكة أو الجماد أو الهوى والشهوات النفسية.
وليس معنى ذلك أنّ الموحد لا يخضع لأيّ التزام في المجتمع، ولا يحكّم أيّ قانون؛ إذ من الواضح أنّ الحياة الاجتماعية بحسب ماهيتها لابدّ لها من الالتزام والانقياد، بل بمعنى أنّه لا يقبل أيّ تحكم ونظام لا يستمد من أوامر الله، وهو في حياته الاجتماعية يصغى لأمر الله، وما أكثر ما يقتضي الشكل والنمط الذي يريده الله من أجل إدارة حياة البشر أن يطيع أشخاصاً ويلتزم بتعهدات. فإذن الامتثال والتعهد بحسب المتطلبات الذاتية للحياة الاجتماعية لا يمكن انفكاكه عن حياة الإنسان الموحّد أيضاً، ولكن ليس هذا الامتثال امتثالاً لهوى النفس أو زخرف الحياة والأنانيات التي لدى أمثاله من البشر، بل هو امتثال لأمر الله البصير الحكيم، إذ إنه هو الذي يعيّن المقررات التي يجب اجراؤها، والقادة الذين تجب إطاعتهم، وأنّهم يحكمون البشر في حدود الأوامر الربّانية فقط.
إنّ هذا الأمر الربّاني ناظر إلى هذه الحقيقة[5]: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}[6].
وربّما من أجل ملاحظة هذه الحقيقة ومتابعة لها يقول المصلي في الجملة الثانية من التشهد: "وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله".
إن قبول محمد (ص) مرسلاً من قبل الله هو في الحقيقة قبول للاستخلاف الإلهي، أي اتباع طريق الله من طريق اتباع طريق محمد، وأخذ أوامره من عبده المجتبى.
كثير من عباد الله أخطأوا في معرفة طريق ما يرضي الله. إن معرفة محمد (ص) وقبول كونه رسول الله، محدد وموجّه للجهد والحركة التي ينبغي للإنسان العابد إبرازها، لكي يثبت صحة دعواه عبادة الله.
وكأن الاستناد على عبودية محمد (ص) في هذه الجملة وتقديم كلمة (عبده) على كلمة (رسوله) أريد التعريف بأهم فضيلة في الإسلام. وحقاً إن الأمر لكذلك، فإنّ جميع الفضائل الإنسانية تتلخص في عبادة الله الحقيقية والاخلاص لله، وكل من حاز في هذا المضمار على سهم أوفر من الجميع، فستكون كفته الإنسانية أثقل ميزاناً من الجميع.
لا حاجة للاستدلال على هذا المعنى بالنسبة إلى الشخص العارف لمفهوم (عبادة الله)، فإن كان معنى عبادة الله هو الخضوع أمام الحكمة والبصيرة والرحمة والإحسان والجمال اللامتناهي، الملازم للتحرر من عبادة النفس وعبودية الغير، فأي قيمة أسمى من هذه يمكن العثور عليها؟ أفليست جميع المساوئ والانحطاط والشقاوة والأمور المذلّة وانعدام المروءة، وبشكل مختصر، جميع ما هو مظلم، وليد عبودية الإنسان لجموح النفس أو جموح وطغيان المدّعين من البشر؟ أفليست عبادة الله تحرق جذور كلّ عبودية أخرى وتحطمها؟
إنّ النقطة الدقيقة الموجودة في هاتين الجملتين من التشهد هي التذكير بالتوحيد والنبوة ضمن شهادة من قبل المصلي بوحدانية الله وبرسوله محمد (ص) وعبوديته.
هذه الشهادة في الحقيقة عبارة عن قبوله بجميع الالتزامات المترتبة على هاتين العقيدتين، وكأنما المصلي بهاتين الشهادتين يريد أن يقول: إنّي أخضع لجميع التكاليف التي تنشأ من هاتين العقيدتين (التوحيد والنبوة)، ولا قيمة في الإسلام للعلم التافه الفارغ الذي لا يستتبع تعهداً، ولا للاعتقاد الذي لا يكون منتجاً. إنّ الشهادة على حقيقة بمنزلة الوقوف عليها وقبوله جميع التعهدات والأعمال الناتجة عن العلم بها؛ القبول الناتج من اعتقاد خالص وإيمان فعّال وايجابي. فإذن تشهّد الصلاة في الحقيقة تجديد بيعة من المصلي مع الله ورسوله.


[1] وبالإمكان أيضاً استبدال هذا الذكر بقول "سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله".
[2] بالإمكان أيضاً أن تقول ثلاثاً: "سبحان الله".
[3] سفينة البحار (ج1) مادة سجد.
[4] يلتفت إلى آيات من قبيل {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} سورة الجاثية/ الآية (23)، و{ما أمروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً} و{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله} سورة التوبة/ الآية(31) و{وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} سورة القصص/ الآية(38)، وروايات من قبيل {آلهتهم بطونهم}.
[5] التدقيق في هذه الآيات والروايات من قبيل: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} سورة النساء/ الآية(80) {إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون} سورة المائدة/ الآية(55). "وانظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر…" و"العلماء أمناء الله على خلقه…" يمكن أن يكون موضحاً للحدود التقريبية لهذه الحقيقة.
[6] سورة النساء/ الآية(59).
يتبع ,,,