النظرة الاجتماعية لزواج المتعة
لا شك أن الإسلام هو الطبيب الاجتماعي الكبير الذي أنزله الله تعالى لعلاج مشكلات الإنسان في شتى جوانب حياته، وإشباع جميع غرائزه إشباعاً كاملاً ولما كانت غريزة الجنس إحدى هذه الغرائز بل أشدها خطراً على المجتمع، عمد الشارع المقدس إلى إشباعها بتشريعه النكاح، وجعل له أبعاداً وشروطاً لا يجوز أن يتخطاها حفاظاً على صيانة المجتمع من التحلل والوقوع في مهاوي الفساد، ولهذا اباح له من الزواج الدائم مثنى وثلاث ورباع إشباعاً لتلك الغريزة المختلفة في طباع أفراد الإنسان شدة وضعفاً، فرب رجل لا يكتفي بواحدة وهو قادر على التزويج بأكثر وقد لا يقدر بعضهم على أن يقوم بما يجب عليه من الإنفاق لأكثر من واحدة مع حاجته الملحة إلى ثانية وثالثة، فأما أن يقع في المحرم عن طريق غير مشروع، وإما أن يكون
له طريق آخر يبعده عن الوقوع في المحرم، ولما كان الإسلام بوصفه آخر أطروحة سماوية، لم يغفل هذه الناحية، لذا أباح المتعة لئلا يقع مثله هذا الصنف من الرجال في جريمة الزنى فيتزوج بأكثر من واحدة من طريق المتعة. ولهذا كان سبب وقوع المجتمع في الزنا هو تحريم المتعة. ومن هنا كانت المتعة رحمة رحم الله بها أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على حد تعبير ابن عباس، وبهذا الزواج يتخلص المرء من الوقوع في الحرام. كما أن هذا النوع من الطيبات التي أحلت لقيام مجتمع طيب قائم على الإرتباط المشروع دون الإرتباط والعلاقة المحرمة (1) . ولهذا كانت حكمته سبحانه، حكمة سامية، وغاية شريفة عالية، وهي بقاء النسل وحفظ النوع، فلو خلي الإنسان من الغريزة لبطلت أو ضعفت فيه الجبلة الإنسانية، وعلى هذا لا يبقى للبشر على مر الأحقاب عين ولا أثر. يقول آل كاشف الغطاء: «من تلك الشرائع مشروعية المتعة، فلو أن المسلمين عملوا بها على أصولها الصحيحة من العقد والعدة والضبط
وحفظ النسل منها لانسدت بيوت المواخير وأوصدت أبواب الزنا والعهار، ولارتفعت أو قلت ويلات هذا الشر على البشر، ولأصبح الكثير من المومسات المتهتكات مصونات محصنات، ولتضاعف النسل وكثرت المواليد الطاهرة واستراح الناس من اللقيط والنبيذ، وانتشرت صيانة الأخلاق وطهارة الأعراق… ولله در عالم بني هاشم وحبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في كلمته الخالدة الشهيرة التي رواها ابن الأثير في النهاية والزمخشري في الفائق وغيرهما حيث قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها أمة محمد ولولا نهيه عنها ما زنى إلا شقي… وفي الحق أنها رحمة واسعة وبركة عظيمة ولكن المسلمين فوَّتوها على أنفسهم، وحرموا من ثمراتها وخيراتها ووقع الكثير في حمأة الخنا والفساد والعار والنار والخزي والبوار: «أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير». فلا حول ولاقوة إلا بالله» (1) .
ويقول أيضاً: «أما النظر من الوجهة الأخلاقية
والاجتماعية، فأقول: أليس دين الإسلام هو الصوت الإلهي والنغمة الربوبية الشجية التي هبت على البشر بنسائم الرحمة… وجاءت لسعادة الإنسان لا لشقائه ولنعمته لا لبلائه، هو الدين الذي يتمشى مع الزمان في كل أطواره ويدور مع الدهر في جميع أدواره، ويسد حاجات البشر في نظم معاشهم ومعادهم وجلب صلاحهم ودرء فسادهم، ما جاء دين الإسلام ليشق على البشر ويلقيهم في حظيرة المشقة وعصارة البلاء والمحنة… كلا بل جاء رحمة للعالمين، وبركة على الخلق أجمعين، ممهدا سبل الهناء والراحة، ووسائل الرخاء والنعمة، ولذا كان أكمل الأديان، وخاتمة الشرائع، إذ لم يدع نقصاً في نواميس سعادة البشر، يأتي دين بعده يكمله، أو ثلمة في ناحية من نواحي الحياة فتأتي شريعة أخرى فتسدها» (1) .
من كتاب
زواج المتعة
الدكتور السيد علاء الدين السيد أمير محمد القزويني





رد مع اقتباس

المفضلات