(7)
كان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق يوم خروج مسلم عليه السلام للقتال بالكوفة، و هو يوم التروية، و استشهد مسلم في الثامن من خروجه و هو يوم عرفه، و كان قد اجتمع إلى الحسين نفر من أهل الحجاز و البصرة انضافوا إلى أهل بيته و مواليه.
و لما أراد التوجه إلى العراق طاف و سعى و حل من إحرامه، و جعلها عمرة مفردة، و خرج مبادرا بأهله و ولده، و من انضم إليه من شيعته.
و لما بلغ الحسين عليه السلام الحاجز من بطن الرمة بعث قيس ابن مسهر الصيداوي – و قيل بل بعث أخاه من الرضاعة عبد الله ابن يقطر – إلى الكوفة، و لم يكن عليه السلام علم بخبر ابن عقيل، و كتب إليهم:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين ابن علي.
إلى إخوانه من المؤمنين و المسلمين:
سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو.
أما بعد فإن كتاب مسلم ابن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم، و اجتماع ملأكم على نصرنا، و الطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لكم الصنع، و أن يثبنكم على ذلك أحسن الأجر، و قد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم و جدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه و السلام.
و كان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع و عشرين ليلة، و كتب إليه أهل الكوفة: أن لك هنا مائة ألف سيف فلا تتأخر.
و أقبل قيس ابن مسهر إلى الكوفة بكتاب الحسين عليه السلام حتى انتهى إلى القادسية، أخده الحصين ابن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره اللعين أن يسب الحسين و أباه و أخاه على المنبر، فصعد قيس فحمد الله و أثنى عليه، ثم قال:
أيها الناس إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، و ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله و أنا رسوله إليكم فأجيبوه، ثم لعن عبيد الله ابن زياد و أباه، و استغفر لعلي ابن أبي طالب و صلى عليه.
فأمر ابن زياد أن يرمى به من فوق القصر، فرموا به فتقطع.
و كان ابن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يدعون أحد يلج، و لا أحد يخرج.
و هنا له عليه أفضل الصلات و السلام قصة مع زهير ابن القين البجلي ، قال جماعة من فزارة و بجيله أنه التقى بزهير و قد أتى من مكة يقولوا: فكنا نساير الحسين عليه السلام لكن لم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله عليه السلام.
و إذا نزل بمنزل نزلنا بجانب آخر منه.
فبينا نحن جلوس نتغدى من طعام لنا إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتى سلم، فقال:
يا زهير إن أبا عبد الله الحسين عليه السلام بعثني إليك لتأتيه.
فطرح كل إنسان منا ما في يده حتى كأن على رؤوسنا الطير. فقالت له امرأته – و هي ديلم بنت عمر -:
سبحان الله أيبعث إليك ابن بنت رسول الله صلى الله عليه و آله ثم لا تأتيه؟ فلو أتـيته و سمعت من كلامه.
فمضى إليه زهير فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه، فأمر بفسطاطه و ثقله و رحله و متاعه فحول إلى الحسين عليه السلام، ثم قال لامرأته:
أنت طالق الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسبي إلا خيرا، و قد عزمت على صحبة الحسين لأفديه بروحي، و أقيه بنفسي، ثم أعطاها ما لها و سلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها.
و روى عبد الله ابن سليمان و المنذر بن مشعل الأسديان أنهما التقيا بشخص اسمه بكر و هو قادم من الكوفة و قال لهما:
لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم ابن عقيل و هاني ابن عروة و رأيتهما يجران بأرجلهما بالسوق.
فأقبلنا حتى لحقنا الحسين عليه السلام فسايرناه حتى نزلنا الثعلبية ممسيا فجئنا حين نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام.
فقلنا له: رحمك الله إن عندنا خبرا إن شئت حدثناك به علانية، و إن شئت سرا.
فنظر إلينا و إلى أصحابه، فقال: ما دون هؤلاء سر.
فقلنا له: أرأيت الراكب الذي استقبلته مساء أمس؟
قال: نعم، و قد أردت مسألته.
فقلنا: قد و الله استبرأنا لك خبره و كفيناك مسألته، و هو امرؤ منا ذو رأي صادق و عقل، و أنه حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم و هاني، و رآهما يجران في السوق بأرجلهما.
فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون رحمة الله عليهما يردد ذلك مرارا.
ثم ارتحل الحسين عليه السلام و أصحابه حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر عبد الله ابن يقطر، فأخرج إلى الناس كتابا قرأ عليهم و فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإنه قد أتانا خبر فضيع قتل مسلم ابن عقيل و هاني ابن عروة و عبد الله ابن يقطر، و قد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ليس معه ذّمام.
فتفرق الناس عنه، و أخذوا يمينا و شمالا حتى بقي في أصحابة الذين جاءوا معه من المدينة، و نفر يسير ممن انظموا إليه، و إنما فعل ذلك لأنه عليه السلام علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه لأنهم ظنوا أنه بلدا استقامت له طاعة أهله، فكره أن يسيروا معه، إلا و هم يعلمون ما يقدمون.
ثم سار حتى مر على بطن العقبة فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له بن لوذان، فسأله:
أين تريد؟
فقال عليه السلام: الكوفة.
فقال الشيخ: أنشدك لما انصرفت، فو الله ما تقدم إلا على الأسنة و حد السيوف، و إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنه القتال، و وطؤا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأيا، فأما على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل.
فقال له: يا عبد الله لا يخفى علي الرأي، لكن الله تعالى لا يغلب على أمره.
ثم قال عليه السلام: و الله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم.
إن يقتلـوك فلا عن فقــد معـــــرفة الشمس معروفة بالعـــين و الأثر
قد كنت في مشرق الدنيا و مغربها كالحمد لم تغن عنها سائر السور





رد مع اقتباس

المفضلات