(5)


لما جاء عبيد الله ابن زياد إلى الكوفة، وضع المراصد، و بث الجواسيس فيها على مسلم عليه السلام، حتى علم أنه في دار هاني، فدعا محمد ابن الأشعث، و حسان ابن أسماء بن خارجة، و عمرو بن الحجاج، فقال:

ما يمنع هانيا من إتياننا؟

فقالوا ما ندري و قد قيل إنه يشتكي.

فقال: بلغني ذالك، ثم علمت أنه بريء و أنه يجلس على باب داره، و لو أعلم أنه شاك لعدته، فألقوه و مروه أن لا يدع ما يجب عليه من حقنا فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.

فأتوه و وقفوا عشية على باب داره، فقالوا له:

ما يمنعك من لقاء الأمير فإنه ذكرك و قال: لو أعلم أنه شاك لعدته؟

فقال: الشكوى تمنعني.

فقالوا قد بلغه جلوسك كل عشية على باب دارك، و قد استبطأك، و الإبطاء و الجفاء لا يتحمله السلطان من مثلك لأنك سيد قومك، و نحن نقسم عليك إلا ركبت معنا.

و ما زالوا به حتى غلبوه على رأيه، فدعا بثيابه فلبسها، ثم دعا ببغلته فركبها، فلما دنا من القصر أحس ببعض الذي كان، فقال لحسان بن أسماء ابن خارجة:

يا ابن أخي إني و الله لخائف من هذا الرجل فما ترى؟

فقال: و الله يا عم ما أتخوف عليك شيئا، لا تجعل على نفسك سبيلا، و لم يكن حسان يعلم الذي أضمر ابن مرجانة لهاني رضوان الله عليه.

فجاء رحمه الله تعالى و القوم معه حتى دخلوا جميعا على ابن زياد، فلما رأى هانيا قال: أتتك بخائن رجلاه، ثم تمثل قائل:


أريد حياته و يريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد

فقال له هاني: و ما ذاك يا أمير؟

فقال: إيه يا هاني ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين و عامة المسلمين، جئت بابن عقيل فأدخلته دارك، و جمعت له السلاح و الرجال في الدور من حولك، و ظننت أن ذلك يخفى علي.

فقال: ما فعلت.

قال: بلى قد فعلت.

فلما كثر ذلك بينهما و أبى هاني إلا الإنكار، دعا ابن زياد بمعقل مولاه حتى وقف بين يديه و كان عينا له على أخبارهم من حيث لا يدرون، و قد عرف كثيرا من أسرارهم إذ كان يظهر لهم الإخلاص لأهل البيت و التفاني في حبهم، فلما رآه هاني علم أنه عينا عليهم، و أنه قد أتاه بأخبارهم، فأسقط في يده، ثم راجعته نفسه فقال:

أصلح الله الأمير و الله ما بعثت إلى مسلم ابن عقيل، و لا دعوته، و لكن جاءني مستجيرا فأجرته، و استحييت من رده، و دخلني من ذلك ذمام فضيفته و آويته، و الآن فخلى سبيلي حتى أرجع إليه و آمره بالخروج من داري إلى حيث شاء من الأرض لأخرج بذلك من ذمامه و جواره، ثم أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك.

فقال له ابن زياد: و الله لا تفارقني حتى تأتيني به.

فقال: و الله لا آتيك به أبدا، آتيك بضيفي تقتله؟

فقال: و الله لتأتيني به.

فقال: و الله لا آيتك به، فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي فقال:

أصلح الله الأمير خلني و إياه حتى أكلمه.

فقام فخلى به ناحية و هما بحيث يراهما ابن زياد و يسمع كلامهما فبينما هما يتناجيان إذ رفعا أصواتهما، فقال الباهلي:

يا هاني أنشدك بالله لا تقتل نفسك، و لا تدخل البلاء على عشيرتك فو الله إني لأنفس بك عن القتل، إن هذا الرجل ابن عم القوم و ليسوا قاتليه و لا ضائريه، فادفعه إليهم فإنه ليس عليك بذلك مخزاة و لا منقصة و إنما تدفعه إلى السلطان.

فقال هاني: و الله إن علي في ذلك الخزي و العار أن أدفع جاري و ضيفي و رسول ابن بنت رسول الله و أنا صحيح الساعدين كثير الأعوان، و الله لو لم أكن إلا واحدا ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخد يناشده و هو يقول: و الله لا أدفعه أبدا.

فسمع ابن زياد ذلك فقال: إدنوه مني فأدني منه، فقال: و الله لتأتيني به أو لأضربن عنقك.

فقال هاني إذا تكثر البارقة حول دارك.

فقال ابن زياد: أبالبارقة تخوفني، و هاني يظن أن عشيرته يمنعونه، ثم قال:

إدنوه مني فأدنوه منه. فاستعرض و جهه بالقضيب فلم يزل يضرب أنفه و جبهته و خده حتى كسر أنفه و سال الدماء على ثيابه و نثر لحم خده و جبينه على لحيته الشريفة فانكسر القضيب.

و ضرب هاني يده على قائم سيف شرطي فجاذبه ذلك الرجل، فصاح اللعين ابن مرجانه: خذوه. فجروه حتى ألقوه في بيت من بيوت الدار، و أغلقوا عليه بابه و جعلوا عليه حرساً.

فقام حسان ابن أسماء بن خارجة إلى ابن زياد فقال: أرسل غدر – نحن – سائر القوم أيها الأمير، أرسلتنا إلى الرجل، أمرتنا أن نجيئك به، حتى إذا جئناك به هشمت وجهه , أسلت دماءه و زعمت أنك تقتله؟

فغضب ابن مرجانة فقال: و إنك لها هنا، ثم أمر به و ضرب و قيد و حبس.

فقال: إنا لله و إنا إليه راجعون إلى نفسي أنعاك يا هاني.

و بلغ عمرو ابن الحجاج أن هانيا قد قتل، و كان هاني صهره على بنته رويحة، فأقبل عمرو في مدحج كافة حتى أحاط بالقصر، و نادى:

أنا عمرو ابن الحجاج و هذه فرسان مدحج و وجوهها لم تخلع طاعة، و لم تفارق جماعة، و قد بلغنا أن صاحبنا قد قتل.

فأتاهم القاضي شريح – و كان مع ابن زياد في القصر حين دخل عليه هاني و فعل معه ما فعل – فأخبرهم بسلامته فرضوا بقوله و انصرفوا.

تبا لهم و ترحا، لقد خطمهم ابن مرجانة بالذل، و قادهم ببرة الهوان، و عفر وجوههم إذ هشم وجه سيدهم، و أرغم آنافهم إذ كسر أنفه، و ألقاهم في مراغة الذل إذ ألقاه في الحبس، و مرغهم في حمأة الهوان إذ جروه قتيلا برجله في الأسواق.

أما هاني فقد فاز بالشهادة، و ختمت أيامه بالسعادة.


و واسى الرجال الصالحين بنفسه و فارق مثبورا و خالف مجرما


و قد ثارت به الحمية لله عز و جل، و عصفت في رأسه لرسول الله صلى الله عليه و آله و أخذته حفائظ الولاية لآل الطيبين الطاهرين، فبذل نفسه، و وقاهم بمهجته.

فوا لهفاه له ما أعز جانبه.

و أسفا عليه ما أمنع حوزته.

و حزنا لوجهه الميمون المشرق و قد شوهه اللعين ضربا بعصاه.

و نفسي الفداء لذلك الأنف الحمي و قد كسر في سبيل الله.

و لله تناثر اللحم من جبينه الوضاح، و خده الزاهر و جبهته المباركة على كريمته الشريفة.

و في عين الله خضبت تلك الشيبة العزيزة بدماء ذلك الأغر، دون أن يهتضم جاره أو يستباح دماره.


كريم أبى شـــم الدنـــية أنفه فأشمــمه شـوك الوشيج المسدد


و قال: قفي يانفس وقفة وارد حياض الردى لا وقفة المتردد



يتبع