( 14 )
" يغيبون ليعودوا "
كان طوال فترة العصر ..
قلقاً مضطرباً ..
يجول البيت جيئةً وذهاباً ..
لايثبت على حال مدة دقيقة ..
كمن يتأرجح على أرجوحة .. وهو خائف من أن يقع في أي لحظة ..
حتى فترة العشاء بعد المغرب ..
أتت أم مهدي تتساءل : مابك ياصغيري؟
ابتسم مهدي ابتسامة باردة : لاشيء ..
فقط لاشيء .. لاشيء ..
أم مهدي : إذاً ما رأيك ياصغيري أن تذهب لتشتري خبزاً من الدكان؟
توتر مهدي : خبز .. كلا لن أذهب ..
أم مهدي : مابك ياصغيري ..
لأول مره ترفض مني طلباً أطلبه منك ..
هنا حدث مهدي نفسه :" لا أحد يعلم أني أعلم ..
وسيكون أمراً طبيعياً أن أذهب بهدوء ..
وأشتري الخبز "
آسف يا أمي حسناً أنا ذاهب ..
توجه مهدي إلى دكان أبو عيسى ..
وكله خوف وتشكك ..
حتى أنه أوشك أن يعود ..
لكن حين تذكر أمه واصل طريقه ..
حتى دخل الدكان ..
وألقى السلام وهو مضطرب : السلام عليكم
كان عيسى في الدكان ..
ورأسه محنياً بحيث لا ينظر إلى من دخل ..
فرد بدون اهتمام : وعليكم السلام
مهدي : أريد خبزاً
رفع عيسى رأسه ..
ونظر إلى مهدي فنهض بحماس ..
بينما تراجع مهدي خطوة للخلف
عيسى : أهلاً ..
أهلاً بالجار الغالي ..
أين أنت .. لم تزورنا منذ مدة
مهدي : لكني لا أزوركم
فرد عيسى مستهزئاً وهو يبتسم : أعلم ..
أعلم أيها الصغير ..
لكني قصدت لم تزرنا بالدكان
مهدي : أريد خبزاً فقط ..
عيسى : أتريد خبزاً فقط ..
أم تريد أن تسمع أخبارنا أيضاً ..
توجه عيسى نحو بوابة الدكان وهم بغلقها
مهدي : ماذا تفعل ؟!
عيسى : ألا ترى أيها الصغير أغلق البوابة ..
لأني سمعت أن صغيراً ..
أساء التصرف وهو بحاجة إلى تأديب ..
وأغلق عيسى بوابة الدكان
مهدي رد بخوف : ماذا تقصد ؟؟
أقترب عيسى من مهدي ..
ووضع كفه على كتف مهدي : نحن نعلم أنك تعلم يا مهدي ..
مهدي : أعلم ماذا .. ماذا تقصد ؟
عيسى : تعلم جيداً ماذا أقصد ..
لقد كنت بالأمس تتنصت على كلامي أنا وموسى ..
ولاحقاً ستخبر الخرف عمار ..
هذا إذا كنت لم تخبره للآن ..
مهدي : أنا .. أنا..
أنا لم أخبره ولن أخبره ..
عيسى : أنظروا الآن من يكذب ..
كيف تقول أنك لا تعلم ..
ثم تقول أنك لن تخبره ؟!
ألا تعلم أن من يكذب ياصغيري يدخل النار ؟!
ولهذا سوف أعاقبك ..
وانقض عيسى على مهدي كالمجنون ..
ورفعه من عنقه وأخذ يخنقه ..
تملص مهدي من عيسى .. ووقع أرضاً وحاول أن يهرب ..
لكن بوابة الدكان كانت ثقيلة بالنسبة له ..
فلم تفتح حين دفعها إلا قليلاً ..
فأمسكه عيسى مرة أخرى من ثوبه ..
عيسى : إلى أين أيها الشيطان .. إنها نهايتك
مهدي : إن اسمي مثل اسم الإمام الحجة
فهل ستؤذيني ؟؟
عندما سمع عيسى عبارت مهدي .. اقشعر بدنه وأفلته ..
ففتح مهدي البوابة بشق أنفاسه .. أو ما تبقى منها وهرب ..
فجاء صوت همس في أذن عيسى ..
إبليس : أتتركه ..
إن تركته سيخبر الجميع أنك حاولت قتله ..
الوسواس الخناس : وتعلم ما النتيجة ..
شرطة وسجن .. وربما إعدام ..
إبليس : كما أنه سيخبر الناس بما كتب في الورقة ..
والآن اتبعه بسرعة .. قبل أن يبتعد ..
ثار عيسى وهاج ..
وجرى مباشرة خلف مهدي ..
واختفى العالم الكبير من حوله ولم يعد يرى إلا مهدي ..
لشدة خوف مهدي وارتباكه .. هرب في اتجاه مغاير لطريق بيته ..
ودخل في أسوأ الطرق وأظلمها ..
وحانت منه إلتفاتة للخلف ..
ليرى عيسى يلحق به وهو مهتاج ..
وأخذ مهدي يجري حتى تعالى صوت لهاثه ..
وعيسى لا يزال خلفه يقترب ..
وهو يجري لا يدري إلى أين والخوف قد ربط لسانه ..
ونظر إلى الخلف .. فتعثر فجأة بحجر في طريقه ..
وسقط مستقبلاً الأرض بصدره ..
في نفس الوقت أخذت الريح تشتد ..
وأخذت تصدر صفيراً مخيفاً في كل الأرجاء ..
حتى أثارت غباراً .. لا يمكّن العين من النظر أكثر من نصف متر ..
وهنا كان مهدي واقعاً أرضاً ..
ينظر برعب ولا يرى حوله غير الغبار ..
وفجأة ..
تبين له خيالاً من بين الغبار..
" لا إنه أكثر من خيال واحد إنهم ثلاثة
.. هذا ..
هذا عيسى .. ومن هذان المخيفان عن يمينه وشماله ..
إنهم لا يبدون من البشر ..
لماذا انعقد لساني ؟
لماذا لا أستطيع الصراخ يا إلهي "
أخذ مهدي يزحف بيديه إلى الخلف .. وهو مستقبلاً عيسى ..
بينما عيسى .. يتقدم نحو مهدي ببطء ..
وهو ماداً يديه نحوه ..
وقليلاً قليلاً ..
حتى اعتلى عيسى جسم مهدي ..
وجلس على بطنه ..
وهنا أخذ كلٍ من مهدي وعيسى يسمع همساً
" اقتله .. اقضي عليه اقتله .. اقتله "
كان مهدي ينظر إلى عيسى .. وإلى الخيالين بجانبه برعب ..
وعينه كلها خوف وتوسل ..
والدموع تنهمر من عيناه بلا توقف ..
مسترجياً ذلك الشيطان الجاثم فوقه أن لايضره ..
أمسك عيسى بمهدي من أذنيه ..
ورفع رأسه بينما كان هو جالساً على بطنه ..
وضرب رأسه بكل قوته في الأرض ..
أصدر مهدي أنةً واحدة أشبه بالتنهيدة ..
وأغمض عيناه ..
استمر عيسى يضرب رأس مهدي في الأرض خمس مرات وحين توقف ..
كان وجه مهدي مغطى بالدم ..
حتى أن ملامح وجهه لا ترى ..
نظر إليه عيسى .. وأمال وجهه قليلاً إلى اليسار ..
وهو ينظر إليه ..
وكأنه مسرور بما صنع ..
فرأى أن مهدي لايزال يتنفس ..
فسمع نفس الأصوات تهمس في أذنه ..
إبليس : أجهز عليه
الوسواس الخناس : عليك بالحجر
إبليس : أجل الحجر الذي تعثر به ..
قم .. وخذه
مسك عيسى الحجر ..
الذي تعثر به مهدي .. ورفع يده عالياً ..
وهوى به على جبين مهدي مرتين ..
حتى سمع في الثانية .. صوت تهشم العظام ..
عندها توقفت الأنفاس في صدر مهدي وفارق الحياة ..
وتوقف عيسى .. وترك المكان بسرعة هارباً ..
عاد عيسى إلى الدكان ..
ليجد أباه ينتظره .. وقد احمر وجهه من إثر الغضب :
أيها الأحمق .. كيف تترك الدكان مفتوحاً وتخرج ؟
عيسى : لقد قتلته
أبوعيسى : ماذا؟
عيسى : لقد قتلته .. قتلت مهدي .. وهو ميت الآن ..
أبو عيسى : أأنت متأكد ؟
عيسى : أجل
أبو عيسى : لم يَركَ أحد؟
عيسى : كلا لقد كان طريقاً مظلماً وخالياً ..
أبوعيسى : متأكد ..
عيسى : أجل .. أجل متأكد ..
أبو عيسى ربت على كتف عيسى : أحسنت ..
إذهب إلى البيت واغتسل ..
وإياك أن تخبر أحداً بفعلتك ..
لا أحد أنا وأنت فقط ..
أغلق عمار نافذة غرفته ..
بعد أن لاحظ قوة الريح والغبار في الجو..
" ماالذي غير الجو في دقائق .. وكأنه غضب قد حلَّ من السماء "
رن هاتف أبو مهدي ..
وإذا به يفاجأ بصوت مضطرب من خلف السماعة ..
إنها زوجته ..
لكنها تبدو غاية في الخوف ..
وصوتها يرتجف وهي تبكي : عزيزي ..
لقد أرسلت مهدي منذ ساعتين ليشتري الخبز من الدكان ..
لكنه لم يعد حتى الآن ..
أبومهدي : ماذا ؟
أنا قادم في الحال ..
أغلق أبو مهدي السماعة .. وفي غضون دقائق كان في بيته ..
وعندما دخل .. كان وجه زوجته أشد اصفراراً من جثة ميته ..
وأقبلت نحوه .. وأمسكت بيده : هل رأيته .. هل وجدت مهدي ؟
أبو مهدي : كلا .. تقولين أنك أرسلته لشراء الخبز ؟
أم مهدي : أجل ولم يعد حتى الآن ..
يا إلهي ماذا حدث لصغيري
وخبأت وجهها بين كفيها ..
وأخذت تبكي بنياح ..
أبو مهدي : ربما ذهب لعمار سأذهب لأرى ..
ضرب أبو مهدي باب بيت عمار بشدة ..
عمار: من ؟
أبو مهدي : أنا أبو مهدي
فتح عمار الباب : خير يا أبا مهدي مابك ؟ تبدو قلقاً !!
أبو مهدي : مهدي يا عمار أليس عندك ؟
عمار : لا .. لماذا ؟
أبو مهدي : لقد أرسلته أمه .. منذ أكثر من ساعتين من الآن ..
لشراء الخبز لكنه لم يرجع ..
ألا تعرف عنه خبر ..
ألم يعرج عليك؟
عمار : لا .. وسأخرج معك الآن نبحث عنه ..






رد مع اقتباس

المفضلات