من كنت مولاه فهذا علي مولاه
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم والعن اعدائهم

الفصل 11
ولما كان إنكساره فوق أي إنكسار، صار من المتعذر أن يتصور بقاء العالم‏حينئذٍ، وكان المفروض أن تطوى السموات وتبيد الأرضين، لولا أنّ حكمة اللَّه ‏البالغة شاءت أن لا ينهدم نظام الكون، ويبقى العالم بوجود خليفته العليل المألوم ‏سيد الساجدين وزين العابدين علي بن الحسين‏عليه السلام.
وبالرغم من أنّ العالم لم يفنى ونظام الكون لم ينهدم إلّا أنّ الإضطراب والتزلزل ‏والهزات بلغت به الغاية بحيث كاد ينتهي كلّ شي‏ء بالمرة، فتدكدكت الجبال،وتلاطمت البحار، وهاجت الأمواج، وانخسف القمر، وانكسفت الشمس،ومطرت السماء دما وترابا أحمر، وجرت الدماء من الأرض، من شجرة في الهند،وحمرة الأفق، وشجرة قزوين، وصخرة مسجد الحسين في حماة، ومسجد النقطةعلى بعد فرسخ من الموصل، وجريان الدم من عيني تمثال الأسد في الروم يوم ‏عاشوراء وليلته، كلّ ذلك جرى في مصيبة فخر الأنام، ولا زالت الشواهد تترى الى‏هذا الزمان.
أجل واللَّه، إنّها لمصيبة ما أعظمها حتى أنّ الأنبياء والمرسلين لم يطيقوا سماعها، والأوصياء والصديقين لم يتحملوا عشر معشار تلك البلايا.
فلما سمع آدم‏عليه السلام بمصيبته بكى عليه بكاء الثكلى، وصغّر عند رزيته جميع الرزايا.
ولما سمع نوح رفع صوته بالبكاء عاليا ونادى بالويل.
وقال إبراهيم:
يا ربّ ما لي كلما نظرت الى هذه الأنوار المقدسة المحيطة بالعرش‏الأعظم سررت وفرج همي، واذا نظرت الى النور الخامس هجم عليّ الغم والهم؟
فجاء النداء:
يا إبراهيم
لا تعلم ما ينزل بصاحب هذا النور المقدس من المصائب ‏والمحن فإنّه المظلوم، فلما سمع إبراهيم بعض المصائب التي تجري عليه بكى ‏وقال:
إنّي سقيم.
ولما سمع زكريا تأويل كهيعص واُخبر بخبر كربلاء دخل بيته ولم يخرج ثلاثةأيام، وإشتغل بالبكاء والنحيب واللوعة.
وسمع إسماعيل صادق الوعد بعض تلك المصائب العظمى فدعا اللَّه أن يرزقه ‏التأسي بتلك المصائب.
ولما إلتقى موسى بالخضر قال له الخضر:
ما الذي جاء بك؟ قال:
جئت لأتعلم مماعلمت رشدا، قال:
إنّك لن تستطيع معي صبرا، ثم حدثه عن بعض المصائب التي‏تنزل بعترة نبي آخر الزمان محمد بن عبد اللَّه‏ صلى الله عليه وآله، فبكى موسى بكاء شديدا.
ولما دفعت مريم إبنها عيسى الى الرجل الصباغ فأعطاه الكرابيس والخيوط ليصبغها -وكان عيسى طفلا- جعلها كلّها في إناء واحد وصبغها جميعا بلون السواد،ولم يكن إختياره لهذا اللون إلّا حزنا على مصيبة أبي عبد اللَّه الحسين‏عليه السلام، كما في‏مهيج الأحزان، لأنّ عيسى وإن كان صغيرا إلّا أنّه كان في المهد نبيا، فلا يتصور في‏حقّه أنّه يفعل فعلا عبثيا(24).
أجل، بكى كلّ ما في الكون من سماوات وأرضين، والعرش والكرسي واللوح‏والقلم، والجنة والنار، والحور والولدان، ورضوان ومالك، والثرى وما تحت‏الثرى، والطبيعة والنفس والمادة، وما يُرى وما لا يُرى، كلّها إضطربت وبكت على‏إنكسار قلب »قلب العالم«، وعظم رزية فخر بني آدم.
بل نقل عن بعض العرفاء: أنّ كلّ بكاء بالحقّ إنّما هو بكاء على حضرته، وأنّ كلّ‏حجر يخرّ من جبل إنّما يخر لمصيبته، وأنّ بكاء الأطفال في المهد بكاء على بليته ‏وحزنا على ظليمته..