المسلم واليهودي
كان تاجر مسلم في بغداد معروف بالفضل والصدق بين الناس
وكان هذا التاجر يصافر الى البلاد القريبة والبعيدة فيشتري المتاع والمواد الغذائية التي يحتاجها الناس ويبيعها بثمن قليل يربح فيه شيئا يسيرًا .
ومن القدر الإلهي كان في بغداد تاجر آخر يهودي وكان هذا التاجر على خلاف التاجر المسلم تمامًا . فقد كان قسي القلب يبيع متاعه
باعلى القيم فيربح على ذلك ربحًا كثيـــــرًا .
كان للتاجر اليهودي شغل آخر وهو التصريف للنقد والاقراض .
بحيث كان يرفع حاجة تجار بغداد اذا كانت لاحدهم حاجة الى المال
فيعطي القروض لكن بالاخضاع الى شروط صعبة جدا .
وذات يوم احتاج التاجر المسلم _ كما هو فعل الدنيا باهلها فانها تدور بهم دوران التفاحة في الهواء التي تدور مئة دورة حول نفسها حتى تسقط الى الارض _ الى التاجر اليهودي ليستقرض منه مقدار من المال فان ذلك وان كان امرا صعبا جدا ، لكن لا حيلة للتاجر المسلم سوى ذلك .
وعندما راى التاجر اليهودي رقيبه التاجر المسلم وهو جالس على بساط الاستكانة والحاجة فكر مع نفسه فوجد في ذلك الفرصة المناسبة للانتقام من التاجر المسلم ، لأنه السبب في قلة بيع التاجر اليهودي ، فان الناس يشترون ممن يبيع بسعر أقل عادة ، لذا التفت إلى المسلم وقال له : عليك ان
تضع عندي وثيقة معتبرة أو أن تقبل ما اشترط عليك إن لم تستطع اداء دينك مع ربحه في الوقت المعين .
سأله التاجر المسلم فقال : وما هو شرطك ؟
قال اليهودي: شرطي هو انك ان لم تستطع استرداد القرض مع ربحه وفائدته مع الوقت المعين ان اقطع من بدنك قطعة من اللحم !!!
لم يكن شرط اليهودي شرطًا متعارفا ومنطقيا، لكن ما الحيلة ؟ فانه قل من يوجد شخص يوافق على مثل هذا الشرط ، لكن وضع التاجر المسلم لم يكن طبيعيًا يجعله يرفض الشرط المذكور .
أخذ التاجر المسلم المال من اليهودي على أمل التمكن من تسديده في وقته، ولعل هذا هو الذي دعا التاجر المسلم أن يوافق على الشرط من دون أن يفكر في عاقبة أمره. وهكذا استطاع التاجر المسلم فك ديونه بمال اليهودي
لكنه سرعان ما انقضت الليالي والأيام والأشهر حتى حان وقت تسديد دين اليهودي، فانه مضافًا إلى أصل الدين عليه أن يعطي اليهودي ربح هذا المال، ولكن كيف...!
لقد حاول التاجر المسل جاهدًا تسديد قرض اليهودي لكنه لم يتمكن من ذلك في الوقت المعين، وأخيرًا جاء التاجر اليهودي يطالب بماله ، فلما رآه التاجر المسلم رفع رأسه إلى السماء وقال(( الهي اغثني ))
قال التاجر اليهودي: وهل فعلت أمرًا قبيحا ؟ انما جئت لآخذ مالي ..
حاول التاجر المسلم ان يمدد اجل الدين لكنه فشل في ذلك ، لأن التاجر اليهودي لا مروءة له بالاضافة الى انه في مقام الانتقام من رقيبه التاجر المسلم . لم يعتن اليهودي بكلام المسلم وذهب مباشرة الى القاضي وقدم له الدعوى وبعد حين ارسل القاضي خلف التاجر المسلم يستدعيه ، فلما حضر عند القاضي ، ساله القاضي فقال: هل اقترضت من اليهودي ام لا ؟
قال المسلم : نعم لانه لا يتمكن من الانكاروالكذب ثم أخذ يقص على القاضي خبره مع اليهودي بلا زيادة او نقصان ..

فكر القاضي في الامر قليلا ثم قال : عليك أن تستعد لكي يقطع اليهودي من بدنك اللحم .

تغير حال التاجر المسلم عندما سمع من القاضي ذلك . لانه يعلم ان اليهودي سوف يقطع اللحم من موضع حساس قد يؤدي الى هلاكه ،ذلك ان اليهودي رجل خبيث .
أصدر القاضي حكمه بذلك، فانتشر خبر التاجر المسلم في مدينة بغداد بسرعة، فكان كل من يسمع بذلك يلعن الرجل اليهودي لعلم الجميع بقساوة قلبه وجشعه .
حاول بعض الخيرين حل النزاع بشكل سلمي فتوسطو وذهبو الى التاجر اليهودي ليعطي الى التاجر المسلم فرصة اكثر كي يؤدي دينه . لكن اليهودي رفض واصر على ضرورة اجراء حكم الحاكم وقطع اللحم من بدن المسلم .
وأما القاضي فقد اخذ يرجئ تنفيذ الحكم يومًا بعد آخر عسى ان قلب اليهودي ينكسر للمسلم فينصرف عن ذلك ..

وفي أحد الأيام جاء اليهودي للقاضي وطالبه بشدةٍ لاجراء الحكم الصادر، فلما رأى القاضي اصرار اليهودي لم يكن له بد من تنفيذ الحكم ، وامر التاجر المسلم التأهب لذلك ، فما كان من التاجر المسلم إلا التسليم.

اجمتع الناس ليشهدوا إجراء الحكم، وكان فيهم بهلول وهو جالس في المحكمة . أخذت فرائص التاجر المسلم ترتعش ، فرفع يديه إلى السماء وقال ( الهي اغثني فانك مغيث المساكين )
تغير لون القاضي الذي لم يرتض اجراء الحكم في قرارة نفسه ، لكنه قال للتاجر المسلم : ان كان لك كلام فقل ..
لم يقل التاجر شيئا سوى انه كان يستغيث بخالقه فانه الوحيد الذي ينقذه من هذه الورطة .
وفجأة وقف بهلول من بين الحاضرين وقال : هل يمكنني أن أكون وكيلاَ مدافعًا عن هذا التاجر المظلوم ؟
فرح القاضي بذلك لأنه يعلم أن بهلولاً يمكنه أن يحل المشاكل المستعصية
فقال: نعم ، تستطيع ذلك .
جاء بهلول وجلس بين التاجرين اليهودي والمسلم، ثم قال: "طبقا لشهادة المحكوم – التاجر المسلم – يكون الحق لليهودي في أن يقطع من بدن المسلم قطعة من اللحم، لكنه لا بد أن يقطع من موضع بحيث لا تخرج حتى قطرة واحدة من الدم !! > شفتو كيــــف
صارت بين الحاضرين همهمة وحديث ، وغضب التاجر اليهودي لذلك وقال : هل تعلم ما تقول ؟!؟
اشار بهلول الى الحاضرين بالسكوت ثم التفت الى اليهودي وقال : كان الشرط بينكما هو أن تقطع اللحم من بدنه ولم يكن الحديث عن الدم، أليس كذلك ؟
صاح اليهودي : وكيف اقطع من بدنه اللحم بدون ان تخرج قطرة من الدم ؟
قال بهلول : انه مضافا الى عدم خروج قطرة دم واحدة توجد مشكلة اخرى
قال اليهودي بغضب : وما هي ؟
قال بهلول: انه لابد من القطع من بدنه بنحو لايزيد عن المقدار المقرر بينكما ولا ينقص عنه شيئا ثم قال : فان قطعت ما يزيد أو ينقص عن القدر المعين ينقص عن القدر المعين يقتص منك بقدره.
تغير لون اليهودي وارتعشت فرائصه وخابت آماله وخسرت صفقته، فأخذ ينظر الى القاضي نظر اليائس ووضع يده على رأسه .
نظر القاضي إلى بهلول وحسن ما حكم به ، ثم قال : على التاجر المسلم أن يؤدي إلى التاجر اليهودي أصل المبلغ الذي أخذه منه من دون زيادة ..
وعندما رأى التاجر اليهودي أن كفة ميزانه الراجحة صارت الى جانب التاجر المسلم فضل الخروج من المحكمة خوفًا على نفسه .


تحياتي