كما اشار اليه فخر المحققين في الايضاح بقوله : الاقرب ان الارض كروية ؛ لان الكواكب تطلع في المساكن الشرقية قبل طلوعها في المساكن الغربية ، وكذا في الغروب ، فكل بلد غربي بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقي بساعة واحدة .
وانما عرفنا ذلك بارصاد الكسوفات القمرية ، حيث ابتدأت في ساعات اقل من ساعات بلدنا في المساكن الغربية ، واكثر من ساعات بلدنا في المساكن الشرقية ، فعرفنا ان غروب الشمس في المساكن الشرقية قبل غروبها في بلدنا ، وغروبها في المساكن الغربية بعد غروبها في بلدنا .
ولو كانت الارض مسطحة ، لكان الطلوع والغروب في جميع المواضع في وقت واحد ، ولان السائر على خط من خطوط نصف النهار على الجانب الشمالي يزداد عليه ارتفاع القطب الشمالي وانخفاض الجنوبي وبالعكس انتهى .
ومما حررناه ظهر ان قوله « ومنها ان يكون الامام في كل ليلة في اقليم » ليس في محله ، بل ينبغي ان يقال : انه يكون في كل ليلة من تلك الليالي في بلد من البلدان ، فتنزل عليه الملائكة بأحوال سكان ذلك البلد .
اذ ربما تختلف ليلة القدر على اهل اقليم واحد باختلاف بلدانهم شرقية وغربية ، فتختلف عليهم الاهلة ، ويتبعه اختلاف ليلة القدر ، فتأمل .
تحديد ليلة القدر
فان قلت : اهل البلد الذي فيه صاحب هذا العصر والزمان ـ عليه السلام ـ مع علمه بليلة القدر بعينها هل يطلبونها في ثلاث ليال ام ليلة واحدة لاعلامه اياهم بها
قلت : يحتمل الامرين ، والظاهر هو الاول ؛ لان ائمتنا السابقين صلوات الله عليهم اجمعين كانوا يعلمونها بعينها ، كما سبق في حديث ابي الهذيل ، ومع ذلك كانوا يأمرون اصحابهم بطلبها في ليلتين او ثلاث ليال .
قال عبد الواحد بن المختار الانصاري : سألت ابا جعفر ـ عليه السلام ـ عن ليلة القدر ، قال : في ليلتين : ليلة ثلاث وعشرين ، واحدى وعشرين ، فقلت : افرد لي احداهما ، فقال : وما عليك ان تعمل في ليلتين هي احداهما (1) .
ولعل الوجه في اخفائها ما اشار اليه في مجمع البيان بقوله : والفائدة في اخفاء هذه الليلة ان يجتهد الناس في العبادة ، ويحيوا جميع ليالي رمضان طمعاً في ادراكها ، كما ان الله سبحانه اخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس ، واسمه الاعظم في الاسماء ، وساعة الاجابة في ساعات الجمعة (2) .
ثم لا يذهب عليك ان حديث الانصاري صريح في انحصار ليلة القدر في تينك الليلتين : ليلة ثلاث وعشرين ، واحدى وعشرين ، وان من عمل فيهما في اية بقعة من تلك البقاع ، فقد ادركها بحقيقتها الفاضلة ، لا بمجرد ثواب عبادتها ، اذ لا يفهم منه اختصاصها ببلد دون بلد .
فيستفاد منه ضعف الجواب الاول ، وقوة الجوابين الاخيرين ، فيكون الامام
____________
(1) وسائل الشيعة : 7 / 263 ح 19 .
(2) مجمع البيان : 5 / 520 .
ـ عليه السلام ـ في كل ليلة من تلك الليالي في بقعة من تلك البقاع ، او يأتيه الملائكة بأحوال اصحاب تلك البقعة في تلك الليلة .
ومثله ما في الكافي عن ابي حمزة الثمالي ، قال : كنت عند ابي عبد الله ـ عليه السلام ـ فقال ابو بصير : جعلت فداك الليلة التي يرجى فيها ما يرجى ، فقال : في احدى وعشرين ، او ثلاث وعشرين .
قال : فان لم اقو على كلتيهما ، فقال : ما ايسر ليلتين فيما تطلب .
قلت : فربما رأينا الهلال عندنا وجاءنا من يخبرنا بخلاف ذلك من ارض اخرى ، فقال : ما ايسر اربع ليال تطلبها فيها .
قلت : جعلت فداك ليلة ثلاث وعشرين ليلة الجهني ، فقال : ان ذلك ليقال .
فقلت : جعلت فداك ان سليمان بن خالد روى في تسع عشرة يكتب وفد الحاج ، فقال لي : يا ابا محمد وفد الحاج يكتب في ليلة القدر والمنايا والبلايا وما يكون الى مثلها في قابل ، فاطلبها في ليلة احدى وثلاث ، وصل في كل واحد منهما مائة ركعة ، واحيهما ان استطعت الى النور ، واغتسل فيهما .
قال قلت : فان لم اقدر على ذلك وانا قائم ، قال : فصل وانت جالس .
قلت : فان لم استطع ، قال : فعلى فراشك ، لا عليك ان تكتحل اول الليل بشيء من النوم ، ان ابواب السماء تفتح في رمضان ، وتصفد الشياطين ، وتقبل اعمال المؤمنين ، نعم الشهر رمضان ، كان يسمى على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ المرزوق (1) .
اقول : يستفاد من هذا الحديث ان من طلبها في اي بلد من تلك البلاد الشرقية والغربية في ليلة احدى وثلاث يدركها بحقيقتها ، لا بمجرد ان يكون له ثواب عبادتها ، كما قيل وقد سبق .
____________
(1) فروع الكافي : 4 / 156 ـ 157 ح 2 .





رد مع اقتباس

المفضلات