ملاحظة : ارجو أن تتقبلي صورتي التي تجدينها مع هذه الرسالة مع طلب صورة منك في أسرع وقت.


أتمت رحاب قراءة الرسالة وهي تشعر المرير من الألم ، وكأن عذوبة كلماتها كانت بالنسبة لها لذعات من نار ، ودفعها حقدها أن تتخذ وبشكل نهائي قرارها بعدم تسليم الرسالة إلى حسنات ، وانقضى يومها ذاك وهي بين الألم والحيرة ، ألمها لوجود الرسالة ، وحيرتها لاختيار الطريقة التي تتخلص بها منها ، فهي لا تفتأ تعيد القراءة بين حين وحين ، وكلما أعادتها تضاعف لديها إحساس الألم ، وتمنت لو كانت هذه الرسالة موجهة اليها دون حسنات ، وفي الليل ، وعندما تقدمت ساعاته وعيناها لم تجد للنوم سبيلاً ، جلست على سريرها لتعيد قراءة الرسالة للمرة العاشرة من جديد ... وحدثت نفسها تقول : الخط جميل ، والصورة أجمل ، والكلمات عذبة ، تحكي عن روح أعذب بكثير ، لشد ما كانت تفرح بها حسنات لو وصلتها ، لا شك أنها كانت تبدو سعيدة بعد استلامها ، وسعادتها لا تريحني أبداً ... وإلى هنا قررت رحاب تمزيق الرسالة لكي لا يمكن لها أن تصل إلى يد حسنات ، وقبل أن تبدأ بالتمزيق خطرت لها فكرة ، فرددت مع نفسها قائلة : كلا أنني لن أمزقها ولكنني سوف أحرقها فان مما يلذ لي أن أتابع النار وهي تلتهم كلماتها الرقيقة ( الدينية ) قالت هذا ثم ذهبت إلى خزانتها تفتش عن شمعة ، فوجدت عدداً من الشموع الملونة الصغار مطوقة بشريط ذهبي كتب عليه : عيد ميلاد سعيد مع تمنياتي لك بالسعادة والايمان ... فضحكت في عصبية ، واستخرجت شمعة منها وهي تقول لطيف أن أحرق رسالة مصطفى إليها بالشموع التي أهدتها هي إليّ ، نعم أن هذه الشمعة الصغيرة النحيلة واحدة من مجموعة الشموع التي أهدتها الي بمناسبة عيد ميلادي الثامن عشر ، وقد بقيت حتى الآن رهينة هذه الخزانة تنتظر أن تكون أداة حرقاً لرسالة مصطفى وبالتالي أداة حرق لراحتها وسعادتها ، وكانت رحاب خلال ذلك توقد الشمعة وتحاول أن تثبتها على حافة المنضدة ثم أخذت الرسالة بيدها لتدنيها من النار ، وهناك خطرت لها فكرة ، فما جدوى أن تحرق هذه الرسالة لأنه سوف يرسل لها رسالة ثانية وثالثة وسوف لن يصدف لها أن تجد ساعي البريد أمام الباب في كل مرة ، إذن فان احراق هذه الرسالة وحده لا يكفي ، ولا يجدي شيئاً ، وفكرت لحظات ، ثم لاحت لها فكرة سرعان ما اقتنعت بصوابها ، فهي سوف تكتب إلى مصطفى بدلاً عن حسنات ، وسوف تحاول بكتابتها أن تحطم في نفسه هذه الثقة بحسنات ، ثم أن عليها أيضاً أن تعطيه عنواناً آخر غير عنوان هذا البيت ، وهذا ليس بالصعب عليها فهي تتمكن أن تعطي عنوان دائرتها ولكن باسم صديقتها هناك ، وفعلاً فقد صممت أن تنفذ هذه الفكرة ، إذن فإن عليها أن تحتفظ بالرسالة ، فلعلها سوف تحتاج إلى مراجعتها فيما تكتب ، فجلست لكي تكتب إلى مصطفى قائلة :


عزيزي مصطفى ،
استلمت رسالتك مع مزيد الشكر ، فأعجبني فيها أسلوبك المهذب وكلماتك الرقيقة ، وحسناً صنعت باختصار الرسالة لأنني لا حب الاطالة بالكتابة...
أما ما ذكرت عن أن الكتابة قد تعوض عن اللقاء ، فهو أمر وهمي ، قد يوحيه الانسان الخيالي إلى نفسه من أجل اقناعها ، وإلا فأي جدوى للرسائل ؟ وماذا عساها تغني ؟ ما دمت لا أعرف أين أنت ؟ وكيف أنت ؟ وبأي شكل تعيش ؟ أو مع من تعيش ؟ وأنت في تلك الأرض الزاخرة بجميع ملاذ الحياة ومتعها ، فماذا سوف يتبقى منك لي يا ترى ؟ ثم ألا تجد معي أن حاجتنا لأن نعيش الدين هكذا وبالشكل الذي ذكرته في رسالتك قد انتهت ، فلم تعد هناك متناقضات طبقية أو فئات ظالمة مستغلة ، كما أنه لم تعد هناك أيضاً مجموعة ضعيفة مستغلة ، لكن يدعونا ذلك لنفتش بين جانب هذا الظلم عن منفذ ، ونبحث خلال هذه الظلمة عن كوة من نور ، ثم لا نتمكن أن نجد المنفذ لصلابة البناء الغاشم ولا نهتدي إلى النور لحلكة الظلام القاتم فلا يسعنا حيال ذلك إلا أن نوجد لنا ـ مختارين ـ قوة عليا ، هي أعلى من الظلم ، وأقوى من الظلام ، ثم نبدأ نوحي لأنفسنا الأمل بهذه القوة ، وبانتظار حلها لمشاكلنا ورفعها لآلامنا ومحننا ... ان هذا هو السبب الذي طرح على صعيد العالم فكرة الايمان بالله ، وفكرة الدين نتيجة لذلك ، ولهذا أفلا تجد معي أننا لم نعد في حاجة لشيء مما ذكرت بعد أن عرفت البشرية كيف تحقق لها العدالة المتوخاة ؟
هذا وأنني استمحيك عذراً إذا كنت قد جابهتك بما لا يعجبك من الأفكار ، ولكنني انسانة صريحة واحب أن أتعامل مع الآخرين على أساس الصراحة ، ولك مني أخيراً تحياتي وتمنياتي.

حسنات

ملاحظة : أرجو إرسال الجواب وكل رسالة أخرى على العنواني الآتي :
مديرية الري ـ قسم الاحصاء
الآنسة ميادة ناجي
بادرت رحاب إلى ابراد الرسالة على العنوان الذي ذكره مصطفى في رسالته ، وقد استشعرت بشيء قليل من تأنيب الضمير لأن رسالتها كانت كفيلة بهدم سعادة أختها ، ولكنها استعادت طاقات الحقد الموجودة لديها وابعدت عنها التفكير بتأنيب الضمير ، وبقيت تنتظر النتائج.



وصلت الرسالة إلى مصطفى ، فاستلمها على لهفة الشوق والحنين ، وأسرع إلى قراءتها بفرحة وسعادة ، ولكنه سرعان ما أحس بالصدمة والخيبة ، ثم بالذهول والحيرة ، وحاول أن يكذب عينيه ، فأعاد القراءة من جديد ، ولكن اعادة القراءة لم تزده إلا يقيناً بما يرى ، انها حسنات ، الفتاة الطيبة المؤمنة الطاهرة التي اختارتها له أخته زينب ومدحتها له بشكل جعله يقدم على خطوبتها حتى دون أن يراها ، نعم أنها حسنات ، تلك التي عقد على حياته معها الآمال الكبار ، والأماني العذاب ، فإذا بها تكتب إليه لتقول وبصراحة ، بأنها لا تؤمن حتى بوجود الله !! فما أقسى هذا وأدهاه ؟ ولكن كيف حدث هذا يا ترى ؟ وكيف انخذعت بها زينب على هذا الشكل ، وهي صديقتها المفضلة ، ثم كيف له أن يتصرف حيال هذا الموقف المرير ؟ وحاول مصطفى أن يفكر بموقفه بعد أن تخلص قليلاً من هول الصدمة ، فكان أول ما خطر له أن يرسل إلى زينب رسالة تأنيب ومعها توكيل بالطلاق ، ولكنه عاد فخطر له أن تعجله بالطلاق يعني تهرباً من مسؤوليته تجاهها ، وهي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلعله الآن قادر على محاولة هدايتها ، وله بعد ذلك وعلى فرض نجاحه أو فشله أن يتصرف تجاهها كما يشاء ، وكان كلما فكر أكثر ترجحت عنده هذه الخطوة فكتب إليها الجواب ، وحرص أن يكون جواباً للشبهة لا أكثر ولا أقل فكان هكذا :

يتبع..