بسم الله الرحمن الرحيم
يسلموووووووووووووا
يا اخت نور علي
بسم الله الرحمن الرحيم
يسلموووووووووووووا
يا اخت نور علي







الجزء التاسع
* *
رحمة من عالم الدنيا
ولفت نظري فجأة الشبّاك المقابل حيث رأيت فيه زوجَين حديثَي الزواج، من أحفادي، يتناولان الفاكهة ويتحادثان ويقولان: إنّ هذه الفواكه قد زرعها الحاجّ بنفسه، وهو الآن تحت التراب ونحن نأكل فاكهته.
وقالت المرأة: « إنّه الآن في الجنّة يتناول من فاكهتها وأعنابها. فيرحمه الله. لكَم كان يحبّ أن يمازحنا ونحن صغار! لقد كان يحبّنا حقّاً، فكان يمنحنا النقود ليدخل السرور إلى قلوبنا. أسأل الله أن يدخل السرور إلى قلبه ».
وقال الرجل: « هو الذي جعلني من رجال الدين، فقد كان هو نفسه كذلك، لقد كان يحبّ هذا المسلك. الليلة ليلة الجمعة، وجدير بنا أن يتلو كلّ منا سورة من القرآن ويهدي إليه ثوابها. سأتلو أنا سورة الإنسان، واقرئي أنت سورة الدخان ».
فمكثتُ هناك حتّى انتهيا من تلاوة السورتين، فسُررتُ جدّاً ودعوت لهما بالخير، وعُدت طائراً إلى الهادي، فرأيته قد جلب الفرس وشدّ عليه خرجاً، وهو متهيّئ للرحيل.
فقلت: « مِن أين لك هذا الخرج ؟ ».
قال: « جاء به ملَك وقال: إنّ في أحد جيبيه هدية من فاطمة الزهراء عليها السّلام أرسلتْها بمناسبة تلاوة سورة الدخان التي تخصّها، وفي الجيب الآخر هدية من الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بمناسبة تلاوة سورة الإنسان التي تخصّه، وقد أوصاني أن نتحرّك على مبعدة من بَرَهوت لكي لا تصيبنا سمومه ».
فقلت: « ألا نفتح الخرج لنرى ما فيه ؟ ».
قال: «لا شكّ أنّه يحتوي على ما نحتاجه في هذه الرحلة، وسوف نفتحه عند الحاجة. أتحبّ أن نتحرّك ؟».
فقلت: « ما أسعدني بذلك ! ». وقفزت إلى ظهر الجواد وتحرّكنا.
أهوال أرض الحرص
وصلنا إلى أرض الحرص، فرأيت قوماً على صورة كلاب عفنة قبيحة، بعضها هزيل وبعضها سمين. وكانت الصحراء مليئة بالجثث المتناثرة النتنة، وعلى كلّ جثّة عدد من الكلاب تتصارع فيما بينها على التهامها وينهش بعضها بعضاً، بحيث لم يتمكن أيّ منها من الأكل، كانت تسقط منهوكة القوى تعَباً، وتظلّ الجيفة كما كانت، فتأتي كلاب أقوى تطرد الأضعف، وتتقدّم تنهش الجثّة.. وإذا بعدد آخر من الكلاب يهجم عليها للاستحواذ على تلك الجثّة، فكان أحدها يفترس الآخر، لأنّ كلاًّ منها لم يتجاوز التفكير في نفسه، ولم يكن بينها اثنان متّفقان فيما بينهما. كانت الصحراء مليئة بالكلاب وبالصراع المتكالب.
« إنّما الدنيا جيفة يطلبها الكلاب ».
كان بعض الذين أكلوا من تلك الجيف يخرج الدخان من خياشيمهم والنار من أدبارهم، وكانت الكلاب الأُخرى لا تقترب منهم لأنّهم كانوا في حالة غريبة.
قال الهادي: « هؤلاء كانوا يأكلون أموال اليتامى وكانوا يرتشون ».
إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى إنّما يأكلون في بطونهم ناراً .
قلت: « كنا قد أُوصينا أن نبتعد عن صحراء بَرَهوت، ويبدو أنّنا قد أخطأنا الطريق ».
قال: « كلاّ، لم نخطئ. إنّ ما تراه هو الماء الذي يجري تحت بَرَهوت، فلا تصل إلينا سمومه. إنّنا قد مررنا بجوار أرض الحرص، ووصلنا إلى جوار أرض الحسد
».مكائن أرض الحسد
لاحظنا في تلك الأرض معامل كثيرة بعيدة عن الطريق، وكانت كلّها تعمل؛ لأنّ دخانها كان قد ملأ الفضاء وأظلمه، وكانت حركة آلاتها الضخمة ودورانها السريع يهزّ أرض الصحراء هزّاً عنيفاً، وضجيجها المرتفع يصمّ الآذان. كان العمال كلّهم من غبُر الوجوه، وكانت تلك المكائن المصنوعة من الحديد الثقيل ذات المحركات القويّة تتحرّك في هذه الصحراء الواسعة، وكانت واحدة منها قد اقتربت كثيراً من الطريق. نظرت وإذا بجهل قد ظهر مثل دخان أسود. التفتُّ إلى الوراء فرأيت الهادي متخلّفاً كثيراً، فاستولى عليّ الخوف من تخلّف الهادي واقتراب الأغبر.
قال لي الأغبر: « انظر إلى هذه الماكنة القريبة، فليس في الدنيا مثلها ». وعلى الرغم من أنّي وددت كثيراً أن أقف لأتفرّج، ولكن بالنظر لأنّي لم أتلقّ من هذا الأغبر غير الشرّ والأذى، فلم أُعِر كلامه اهتماماً، ووكزت الفرس مبتعداً وأنا أقرأ: قُلْ أعُوذُ بِربِّ الْفَلَقِ* مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ .
فقال الأغبر: « أيّها المسكين، إنّك في الدنيا كنت تريد أن تقرأ قُلْ أعوذُ وتعمل بها، ولكنك لم تفعل، فما فائدة ذلك الآن ؟! ».
فازداد خوفي. وتقدّم الأغبر واختفى خلف رابية، فحسبت أنّي قد كُفيت شرّه، وفيما كنت أفكر في الهادي ولماذا لم يصل إليّ، برز الأغبر مرّة أُخرى بهيئة حيوان مخيف جَفَل منه الجواد وخرج عن الطريق، ووقع على الأرض بالقرب من تلك الماكنة، فوقعت عن ظهره بقوّة فتألمت أعضائي بحيث لم أستطع التحرّك. وأخذت المكائن الأُخرى تقترب منّي وكأنّها أفاعٍ تريد ابتلاعي، وقد اندفع من فتحاتها ألسنة اللهب نحوي مثل قاذفات اللهب المعروفة في الحروب، بينما كان الأغبر الخبيث يضحك ويستهزئ بي قائلاً: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ .
ويخاطبني بقوله: « أيّها التعس الحاسد! مَن مِنَ العلماء نجا من الحسد ؟! إنّك قد أدميت قلبي خلال المنازل السابقة التي نجوتَ فيها منّي. أتظنّ أنّ جعبتي قد خَلَت من السهام ؟! فذُق الآن. ولن تجد مني ـ إن شاء الله ـ مَخلصاً ».
ما فيه توقيع







على الرغم من الضعف الشديد الذي كنت أحسه في بدني، فإنّ سخريته تلك أثارت الدماء وجعلتها تغلي في عروقي، فرفعت صوتي وناديت: يا عليّ. وإذا بالمكائن قاذفات اللهب ـ التي كانت قد أحاطت بي وكادت تلتهمني بنيرانها ـ قد لاذت بالفرار في تسابق شديد أدّى إلى أن يصطدم بعضها ببعض فيتهاوى حطاماً، واندفع الأغبر يطلب الفرار، فصار تحت عجلات إحدى المكائن فتحطّمت عظامه واختلطت بلحمه ودمه: وَلاَ يَحيقُ المَكْرُ السَّيّئ إلاَّ بِأهْلِهِ .
فقلت: ما أعجب هذا! ولقد كان يسخر منّي.
فإنّا نسخرُ منكم كما تسخرون .
وشعرت بعطش شديد من أثر حرارة الجوّ، وتعفّن الهواء، ورائحة الكبريت المنتشرة. عندئذ رأيت الهادي يركض نحوي، وما أن وصل حتّى فتح الخرج الذي كان هدية من الإمام عليّ عليه السّلام وأخرج كوزاً من البلّور أشرق الفضاء من التماعه، وسقاني منه ماءً عذباً بارداً، فزال عطشي وما كنت أحسّ به من أوجاع في أعضاء بدني، وعاد الدم إلى وجهي وصفا باطني: إنّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأسٍ كَانَ مِزاجُهَا كَافُورَاً .
وأتينا فرأينا الجواد المسكين قد نَفَق، فحملتُ كيسي على ظهري، وحمل الهادي متاعنا، ومشينا في تلك الصحراء الواسعة الملتهبة. لقد كان الجوّ خانقاً من كثرة دخان المكائن والتعفّن، ورأيت فتحات تلك المكائن يخرج منها بشَرٌ من نار بهيئة مخيفة.
قال الهادي: « إنّ الحسّاد الذين أظهروا حسدهم للمؤمنين باليد واللسان يلقون في هذه المكائن حيث يُضغطون ضغطاً شديداً، بحيث كانت نيرانهم الباطنية تطغى على بشرتهم وكلّ أجسامهم، لأنّ الحسد كالنار المحرقة: « الحسد يأكل الإيمان، كما تأكل النار الحطب ».
وبالنظر لظلام الطريق، تقدّمني الهادي ومشيت وراءه.
قلت: « ربما نكون قد أخطأنا الطريق، إذ إنّنا باتّباعنا تلك الوصايا ما كان ينبغي أن يصيبنا مكروه ».
قال: « لم نخطئ الطريق، ولكنْ قليل من الناس لم يحسّ بالحسد قليلاً أو كثيراً في داخله، ولولا ما تفضّل به عليك أولياء الأُمور وسرور فاطمة الزهراء عليهم السّلام منك، فربّما لم يكن ما يصيبك من مكروه بأقلّ ممّا تراه يصيب هؤلاء أمامك. فكثير من هؤلاء المُبتلَون سوف ينجى عاجلاً أو آجلاً، ويكون من أهل الرحمة ».
ولمّا كان الجوّ حارّاً ونتناً، والكيس الذي حملته على ظهري ثقيلاً عليّ، ونظراً لسرعة سيرنا بهدف سرعة الخلاص من هذه الأرض الكثيرة البلاء، وهلعي من احتمال عدم موت الأغبر ولحاقه بي، فقد أخذ العرق مني كلّ مأخذ، وبدأت رائحته المنفّرة تنبعث من ملابسي، وعضلات ساقي كانت تؤلمني من شدّة التعب، ولكنّنا أخيراً اجتزنا تلك الأرض بكلّ عناء.
بدأ النسيم البارد يهبّ علينا، ولطف الجوّ، وظهرت الأراضي الخضراء وعيون المياه الجارية والأشجار السامقة في الوديان وعلى قمم الجبال، فاتخذنا مجلساً على حافة عين ماء لنستريح بعض الوقت.
قلت للهادي: « أحسبُ أنّ الأغبر قد هلك تحت عجلات المكائن ».
قال: « إنّه لا يموت، ولكنّه لن يصل إليك في هذه الأرض، لأننّا قد ابتعدنا كثيراً عن وادي برَهوت ، ولمّا لم يكن فيك شيء من التكبر والترفع، فإنّك لن ترى تلك الصحراء وتلك الابتلاءات. ولم يبق من الطريق إلاَّ القليل لنصل إلى عاصمة وادي السلام ».
على مشارف عاصمة وادي السلام
وكلّما أوغلنا في السير كانت تكثر المزارع والزهور والرياحين والأشجار المثمرة، إلى أن كثرت الجبال المخضرّة والبساتين اليانعة والشلالات الصافية الرائقة، ورأيت على قمم تلك الجبال وسفوحها خياماً كثيرة من الحرير الأبيض.
قال الهادي: ها قد وصلنا إلى ضواحي المدينة. والناس يسكنون في هذه الخيام ».
كانت أعمدة الخيام ومساميرها من الذهب والحبال من الفضّة، وبعد أن اجتزنا الخيام قليلاً، قال الهادي: «انتظر حتّى أذهب لأرى خيمتك».
فقلت: « ما اسم هذه الأرض الطيّبة ذات المناخ الجميل ؟! فبودّي أن أمكث هنا بضعة أيّام ».
فقال: « هذه أرض يُمن مقدّسة. ولا بدّ لك أن تبقى هنا بضعة أيّام ».
ثمّ أخرج ظرفاً من الكيس الذي أهدته فاطمة الزهراء عليها السّلام واتّجه نحو خيمة كانت على قمّة جبل، وكنت أُتابعه بنظري. وعندما وصل إلى الخيمة، وقرئ الكتاب، خرج من الفِتيان والفَتيات من الخيمة يركضون نحوي وتبعهم الهادي، وعند وصوله أخرج ظرفاً آخر من الخرج. وقال: « إذهب أنت مع هؤلاء إلى خيمتك لتستريح ريثما أذهب أنا إلى العاصمة لأُهيئ لك منزلاً وأعود ».
قلت: « كيف تتركني غريباً هنا ولا مؤنس لي ؟ ».
فقال: « إنّني أُتابع أُمورك. إنّك هنا في وطنك، ولسوف يكون لك في تلك الخيمة من يؤنسك: « حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهُمْ ولاَ جانٌ .
قال الهادي ذلك، وذهب.. فسرتُ مع أُولئك الخدم والحشم إلى الخيمة، فرأيت حورية جالسة على السرير، فنهضتْ تستقبلني. ودخل غلام مثل الشمس سطوعاً يحمل إبريقاً وطَسْتاً من الفضّة، وغسل رأسي ووجهي بماء كان فيه المسك وماء الورد. بعد ذلك نظرت إلى وجهي في المرآة، وإذا بي أفوق في الجمال والجلال تلك الحورية المعقودة لي في السجلّ الإلهي.
موعدكم مع الجزء العاشر
اختكم ... نور علي
ما فيه توقيع
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
المفضلات