النتائج 1 إلى 15 من 65

الموضوع: الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

العرض المتطور

  1. #1
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    الجزء الثالث
    زيارة غير منتظرة

    ورأيت الهادي مشغولاً بتزيين الحجرة، وترتيب مائدة وكراسي من ذهب وفضة، وقد تدلّى من السقف قنديل يسطع ضوؤه كالشمس
    .
    فسألته: « ماذا حدث حتّى أراك منهمكاً هكذا في تزيين هذه الحجرة مع أنّنا مسافران عنها ؟ ».
    قال: « سمعت أنّ الأئمّة وأولادهم الذين كنت قد زُرتَ قبورهم، والعلماء الذين ذكرتَ أسماءهم في صلواتك الليلية أو قرأت الفاتحة على قبورهم، قد سمعوا بقصدك السفر إلى الآخرة، فعزموا على زيارتك لأداء حقّك ».
    فقلت: « ما أسعدني بهذا التوفيق ! » وزال عنّي ما قد ران عليّ من حزن وهمّ بسبب زيارتي لأهل بيتي، وانتابني فرح شديد لهذا الخبر السارَ(26).
    قلت للهادي: « إنّ هذه الحجرة صغيرة ».
    فقال: « إنّها صغيرة عليك، ولكنّها سوف تتّسع بقدومهم ».
    وفجأة حضروا بوجوه نيّرة وبكلّ عظمة وجلال. وجلس كلّ في مكانه بحسب منزلته، وكان المقدم عليهم جميعاً أبا الفضل العبّاس عليه السّلام وعليّاً الأكبر عليه السّلام فجلسا على منصّة كبيرة، ولكنّهما كانا يلبسان لأمة الحرب، فعجبتُ من ارتدائهما لأمة الحرب في عالم ليس فيه تزاحم ولا تعاند مطلقاً.
    كنت أنا والهادي وبعض الحاضرين واقفين، وقد بهرني جمالهما وجلالهما، ولم تعد عيني تطيق التحول عنهما.
    التفتَ أبو الفضل عليه السّلام إلى الهادي وسأله إن كان قد تسلّم تذكرة العبور من أبيه، فأجاب بالإيجاب؛ ثمّ تلا:
    يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إنْ اسْتَطَعْتُم أنْ تَنْفُذُوا مِنْ أقْطَارِ السَّماواتِ والأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلاَّ بِسُلْطَانٍ (27).
    ثمّ التفت إليّ وقال: « اُبشّرك بالفلاح، فإنّ سلطان ولاية أبي هي تذكرة نجاتك ». فقبّلت الأرض بين يديه امتناناً، ووقفت أبكي من شدّة فرحي بحصول هذه اللقيا.
    وسمعتُ حبيب بن مظاهر ـ الذي كان يقف إلى جواري ـ يخاطبني قائلاً: « لا تخشَ شيئاً في رحلتك المحفوفة بالمخاطر هذه، ولا تيأس من خلاصك؛ لأنّ هؤلاء العظام وآباءهم المعصومين لن ينسوك، فإنّ قدومهم كان بأمر من آبائهم، فهم يُدركون شيعتهم ومحبّيهم في اللحظة الأخيرة، وأمّا هذا اللقاء فهدفه تطمينك وتهدئة روعك، كما أنّ السيدة زينب عليها السّلام تبلّغك سلامها وتقول: إنّها لا تنسى مسيراتك راجلاً للذهاب لزيارة أخيها الحسين عليه السّلام وما كنتَ تلاقيه خلال الطريق من صعوبات ومشاق وجوع وعطش وبكاء »، فقلت: « عليك وعليها السّلام منّي ورحمة الله وبركاته ».
    وسألته لماذا يلبس هذان السيّدان لأمة الحرب من بين جميع الحاضرين، مع أنّه لا حرب عندنا هنا ؟
    فتغيّر لون حبيب وامتلأت عيناه بالدموع، وقال: « إنّ عزمهما وإرادتهما في كربلاء على أن يبيدا وحدهما ذلك الجيش الجرّار، لم يتحقّق لهما بسبب المقادير الإلهية التي شاءت أن يحصل ما حصل فلم يستطيعا أن يحققا إرادتهما الحديدية، فبقي ذلك عزيمةً وهمّةً في صدريهما حتّى الآن، وهما ينتظران زمان الرجعة ليُطلقا همتيهما من صدريهما، فتلك العزيمة هي التي تبدو لك في صورة لأمة الحرب ».


    ما فيه توقيع



  2. #2
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    الفراق الصعب

    قلت له: « إيّها الهادي، أنت تعلم أنّ فراقك صعب عليّ، ومهما يكن هذا الطريق لاحباً ومستقيماً وخالياً من المخاطر، فإنّ مجرّد الوحدة والجهل بالطريق أمر صعب، وقد أوصى رسول الله صلّى الله عليه وآله قائلاً: « الرفيق قبل الطريق ».
    فقال: « لا مندوحة لك عن الانفراد في هذه المراحل الثلاث من الطريق، لأنّي لم أكن معك أيضاً في المراحل الثلاث الاُولى من حياتك في دار الدنيا في بداية التكليف، وإنّما ولدت فيك بعد ذلك، لأن طينتي من عِليّين، وهي الهداية والرشاد، وهذا القصور قد حصل منك، فَلُمْ نفسك ولا تلمني ».
    ثمّ طار مبتعداً وتركني وحيداً، فأخذت اُفكّر فيما قاله، فوجدت أنّه كان حكيماً وعلى صواب، فإنّ ما تحقّق عملياً في السنوات الثلاث الأُوَل من البلوغ كان العقل الحيواني، وإنّ العقل الإنساني لم يزد عن شعاع خافت. فهو كما يقول الفلاسفة، العقل الهيولائي أو نواة العقل(29).
    وبديهي أنّني لم يكن لي هادٍ حينذاك، وكنت لا ألتزم قولاً ولا عهداً، ولا أفي بوعد، وكنت تحت سيطرة التكبّر والخُيلاء، وكنت يومئذ من طلاّب العلم، وفي الشبر الأول منه. فقد قيل إنّ العلم ثلاثة أشبارك، الشبر الأول يوجب التكبّر.
    فكنت وحيداً.. لا هادي ولا أبو وقار ولا أبو تراب، فكان لابدّ من السفر وحيداً؛ سُنّةَ الله التِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً (30).
    إنّ العوالم نُسخ متكرّرة، فإذا عرفت واحداً منها عرفت الآخر، والجدل في هذا دليل عدم الفهم(31).
    فقمت وحملت الكيس على ظهري، وأخذت أجدّ في السير.. كان الطريق ممهّداً، لا صخرة فيه ولا حجر. كان الجوّ ربيعاً، وكنت قويّاً أشعر بالجدّة وبالشوق الشديد لرؤية الحبيب الهادي الوفي، فمشيت مسرعاً حتّى منتصف النهار، ثمّ بدأ التعب يغشاني شيئاً فشيئاً، وحَمِي الجو، وأحسستُ بالعطش، وكنت أصعد في طريق ضيّق مليء بالأشواك، يرتفع في سفح، وقد انتابتني الوحشة من الانفراد.

    ما فيه توقيع



  3. #3
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    رفقة على مضض

    التفتّ إلى الوراء وإذا بقادم نحوي، ففرحت وشكرت الله على هذا الرفيق، وانتظرت حتّى وصل إليّ، وإذا به رجل أغبر، طويل القامة، غليظ الشفتين، ذو أسنان كبيرة بارزة، مفرطح الأنف، مخيف، نتن الرائحة. ألقى علَيّ السّلام بغير أن ينطق باللام، قائلاً: « سام عليك
    ».
    فوقعتُ في شكّ. كان ظاهر العداء، حسب ما كان يشهد بذلك مظهره النحس، واستخفاف لسانه بنطق اللام. فاكتفيت بالردّ عليه من باب الاحتياط وقلت: وعليك.
    فسألته: « أين تقصد ؟ ».
    فقال: « أنا معك ».
    لكنّي لم اُحبّ أن يكون معي، لأنّني خفت منه.
    وسألته عن اسمه.
    فقال: « أنا توأمك، اسمي الجهل، ولقبي الأعوج، وكنيتي أبو الهَول، وعملي الإفساد والفتنة ». فكان خوفي يتزايد كلّما ذكر اسماً من هذه الأسماء(32)، وقلت في نفسي: ما أغربه من رفيق سفر! كانت الوحدة خيراً لي.
    سألته: « أتعرف الطريق إذا وصلنا إلى مفترق طرق ؟ ».
    قال: « لا أعرف ».
    سألته: « أبعيد مقصدنا أم قريب ؟ ».
    قال: « لا أعرف ».
    سألته: « أشعر بالعطش، أفي هذه النواحي ماء ؟ ».
    قال: « لا أعرف ».
    قلت: « الوجود والمعرفة واحد، فلماذا لا تعرف ؟ ».
    قال: « كلّ الذي أعرفه هو أنّني منذ أوّل يوم من عمرك كنتُ ملازماً لك، ولن اُفارقك، إلاّ إذا وفّقك الله لمفارقتي ».
    فقلت في نفسي: يبدو أنّ هذا هو الشيطان الذي كنت في الدنيا أقع أحياناً فريسة لوساوسه فأرتكب بعض الخطايا. فما هذه البلوى التي نزلت عليّ! اللهم رحمتك! ثمّ مشيتُ ومشى خلفي على بُعد أقدام، وأخذنا نصعد المرتفع.
    وصلتُ إلى قمّة الجبل، فجلست لاُخفّف من تعبي، فلحقني جهل، وقال: « يظهر أنّك قد تعبتَ، لذلك سأجعل لك كلّ خمسة فراسخ بفرسخ واحد حتّى تصل بسرعة »!
    فقلت: « يبدو أنّك على جهلك تصنع المعجزات »!


    ما فيه توقيع



  4. #4
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    منطق الجهل

    فقال: « تعال انظر إلى بياض الطريق الذي يشبه القوس، وطوله لا يقلّ عن خمسة فراسخ، ثمّ انظر إلى وَتَر هذا القوس ما أقصره! ». والمعروف في الهندسة أنّه كلّما كبر القوس عن نصف الدائرة، كان وتره أقصر. فإذا سرنا على وتر هذا القوس فلن تزيد المسافة عن فرسخ واحد من مكاننا هنا حتّى نعود إلى الطريق الرئيس مرّة اُخرى. أمّا الطريق الرئيس نفسه فلا يقلّ طوله عن خمسة فراسخ، والعاقل لا يختار الطريق الطويل على القصير
    .
    قلت: « إنّ الطريق الرئيس لا يصير طريقاً رئيساً إلاّ بكثرة المارّة، فهل كان كلّ اُولئك الذين مرّوا فيه مجانين لتفضيلهم الطريق الطويل على القصير؟ مع أنّ العقلاء قالوا: امش في طريق سلكه السالكون ».
    فقال: « ما أخفّ عقلك! هذا قول شاعر، أوَ تحسب الشعراء من العقلاء حتّى تتّبع أقوالهم، مع أنّك بالحس والعيان ترى خلاف ذلك ؟! أمّا كثرة المارّة من هذا الطريق فلأنّهم كانوا راكبين ومعهم زادهم ومتاعهم وعيالهم وأحمالهم، وإنّ هذا الوادي الذي يقع في بداية الوتر عائق في طريقهم، ولكنّنا خفيفا الحمل، فما الذي يحملنا على ترك الطريق الأقصر ؟ ».
    فركبني الحمق، وحسبته يحبّ لي الخير، فانحدرنا إلى ذلك الوادي، وارتفعنا إلى طرفه الآخر، وإذا بوادٍ آخر في طريقنا أعمق من الأول، وهلمّ جرّا.. فرحنا نهبط الوديان ونرتقي التلال في طريق كلُّه أشواك وأحجار وحيوانات. واشتدّ علَيّ الحرّ، وتدلّى لساني عطشاً، وتقرّحت قدماي من الأشواك، وتهالكت أعضائي تعباً، وانتاب قلبي هلع شديد، بينما كان السيد جهل يستهزئ بي ضاحكاً، ويشمت بي متشفّياً.
    وبعد عذاب وتعب وقضاء وقت طويل، وصلنا إلى الطريق الرئيس بعد أن قطعنا عشرة فراسخ، في كلّ خطوة منها ألف بلاء ونَصَب. جلستُ أستريح بعض الوقت، وقد أحسست في نفسي بكرهٍ شديد لهذا الجهل الذي لازمني، فقلت: يا ليت بيني وبينه بُعدَ المشرقين! وكان هو نفسه قد وقف بعيداً عنّي. وعدت اُواصل السير وقد أضرّ بي العطش، وكان الجهل يتبعني على مبعدة.
    ورأيت على جانب الطريق، وعلى بُعد ربع فرسخ أرضاً خضراء مشجّرة، وكنت ما زلت بين مخالب الجهل، والتفتُّ وإذا به يسرع الخطى نحوي، وقال: « لا شك أنّ في هذه الارض ماءً، فلنذهب لنطفئ عطشنا ». فأردت أن لا أصغي لكلامه، ولكن لشدّة عطشي وتعبي، قلت: إنّ الأشجار لا تنبت بغير ماء. واتّجهت نحوها على أرض مليئة بالأحجار والأشواك، تموج فيها الحيّات وسائر الزواحف، وبعد مشقة وصلنا، وإذا بها من أشجار الغابات الدائمة الخضرة، ولا ماء عندها.. فعدت أدراجي إلى الطريق.
    وبعد برهة وصلنا إلى أرض مزروعة بالبطيخ الأحمر، فتناول الجهل واحدة وكسرها وراح يأكلها، وقال لي: « كل، فإنّها تروي العطش ».
    فقلت: « لابدّ أنّ له صاحباً، ولا يجوز أن آكل منه بغير رضى صاحبه ».
    فقال: « عجيب أمرك أيّها المتديّن! لعلّه ممّا ينبت بنفسه، وحتّى على فرض أنّ له صاحباً، ولكن حقّ المارّة حقّ يقرّه الشرع المقدّس والمالك الحقيقي. ثمّ إنّ العطش يكاد يقضي عليك، فأنت في حالة اضطرار الآن:
    فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولاَ عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34).
    ثالثا إننا هنا لسنا في دار التكاليف والفرائض حتّى تُفتي أنت بغير ما أنزل الله! ».
    اقتنعتُ بهذه الحماقة شيئاً فشيئاً، فاقتطفت واحدة وكسرتها، ولكنّي ما إن وضعت قطعة منها في فمي حتّى التهب فمي من شدّة مرارتها النافذة كالعلقم، فرميت بها وقلت: «هذا حنظل وليس بطيخاً أحمر»!
    فقال: « كلاّ، ولعلّ التي أخذتها كانت حنظلاً ». فذقتُ واحدة اُخرى فكانت مرّة كالأُولى، وكذا الأُخرى، بينما كان الجهل مستمرّاً في الأكل، ويقول: إنّها حلوة المذاق! فاقتربت منه، وتناولت قليلاً ممّا كان يأكل، وإذا بها أشدّ مرارة من السابقات، فقلت: «أحرق الله بيتك، كيف تأكل المرّ وتقول: إنّه حلو ؟!».
    فقال: « أنا صادق في قولي، فهو في فمي حلو المذاق جدّاً ويناسب طبعي »(35).
    وفجأة هجم علينا كلب، وخلفه رجل بيده عصاً وهو يرعد ويزبد بالشتم والسباب قاصداً ضَرْبنا. فأطلق الأغبر رِجلَيه للريح، وسرعان ما وصل إلى الطريق العام، أمّا أنا فعلى الرغم من سرعة ركضي فإنّ الكلب لحق بي، فوقعت على الأرض من شدّة الخوف. وجاء صاحب الكلب وأهوى بعصاه على بدني ما شاء، غير مكترث بصراخي بأنّي لم آكل من البطيخ، بل كان يقول: « لا فرق بين أن تأكل مال غيرك أو تبعثره، بعد أن مددتَ إليه يد العدوان ». ولم أُفلح في الخلاص من عصاه إلاّ بشقّ الأنفس.




    موعدكم مع الجزء الرابع



    اختكم ... نور علي
    ما فيه توقيع



  5. #5
    مشرف منتدى كرامات أهل البيت(ع) الصورة الرمزية ابو طارق
    تاريخ التسجيل
    May 2005
    الدولة
    لبنان العزة والكرامة
    المشاركات
    18,525
    شكراً
    398
    تم شكره 212 مرة في 176 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    80803

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    بسم الله الرحمن الرحيم


    والحمد لله رب العالمين

    اختي نور علي حفظك الله

    بالفعل انتظرت ووجدت مقال ممتاز

    وموضوع رائع سلمت يدك والله يعطيكي الف الف عافية

    وانا بانتظار الجزء الرابع

    اكرر لكي الشكر والى اللقاء انشاء الله





  6. #6
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت

    الجـــــــــــزء الرابع


    « جهل » يتشفّى


    جررت نفسي إلى وسط الطريق، ورحت أبكي من جرّاء القروح في فمي، والرضوض في أعضاء جسمي، ومن عطشي وتعبي وبعدي عن الهادي.
    أمّا الأغبر الذي نال مرامه وحقّق هدفه، فقد كان يجلس بعيداً عنّي، وعلى شفتيه ابتسامة الشماتة والتشفّي، ويقول: « ما الذي يستطيع أن يعمله لك الهادي ؟! فأنت بمعونتي قد زرعت في الدنيا بذور الأذى بيدك. والدنيا مزرعة الآخرة، والآخرة يوم الحصاد. ألم تقرأ في القرآن: وَمنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَه

    أيستطيع الهادي أن يأتي بما يخالف هذه الآيات القرآنية والحجج الدامغة ؟ سوف ترى عندما تجتمع مع الهادي في منزل وأكون معك، أيّ بلاء ينزل عليك بحيث أنّ الهادي نفسه لن يقدر على شيء. ألم يقل هو نفسه إنّك كلّما عصيت هرب منك، وكلّما تبت عاد إليك، كما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: لا يزني المؤمن وهو مؤمن فما فائدة مصاحبة الهادي ؟ ».
    فرأيت أن هذا الملعون لا يخلو من معرفة، فسكتّ ولم أعد أذكر الهادي. وأخرجت تفاحّة من الخرج وأكلتها، فالتأمتْ جراحي وتحسّنت قوّتي، فقمت أُواصل المسير.
    وصلت إلى مفترق طريقين، فاخترت الطريق الأيمن لأنّه كان يوصل إلى مدينة معمورة، بينما كان الطريق الأيسر يوصل إلى قرية خربة. قلت للموكَّل بالطرق: «أرجو أن تمنع هذا الأغبر الذي يتبعني من متابعتي، فقد آذاني اليوم كثيراً».
    فقال لي: « إنّه مثل ظلّك لا انفصال له عنك، ولكنّه في هذه الليلة لا يكون معك، لأنّهم سوف ينزلون في القرية الخربة على اليسار، ومن ثمّ فسوف يقلّ إزعاجه لك ».
    دخلت المدينة وإذا بالعمارات العالية، والأنهار الجارية، والخضرة الرائقة، والأشجار المثمرة، والخدمة المليحة، واللغة الفصيحة، والنغمات الرخيمة، والأطعمة الطيّبة، والأشربة الهنية. فبعد تلك الصحارى القَفر الموحشة، وتلك المزعجات التي أصابتني من ذلك الأغبر، أجدني الآن وأنا في هذا المكان كأنّني في جنّة فيحاء ذات عبير طيّب، حتّى أنّني ما كنت لأُفارق هذه المدينة لولا اشتياقي للهادي.
    هنا التقيت عدداً من طلبة العلوم الدينية، الذين كنت أعرفهم. نمت تلك الليلة لأستريح من تعبي، وفي صباح اليوم التالي خرجنا من المدينة نتمشّى حيث الجو تعطره رائحة زهور القدّاح، وأخذت أقصّ عليهم ما جرى لي في اليوم السابق، لأنّ المسافرين على هذا الطريق يتسقّط بعضهم أخبار بعض عند وصولهم إلى مثل هذا المنزل، وهم في حال التحرك قلّما يسأل بعضهم عن بعض: لِكُلِّ امْرئٍ مِنْهُم يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيه .
    كنّا نشكر الله على التخلّص من أُولئك غبُر الوجوه: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمين

    وخلاصة القول: إنَّ جميع حواسّنا قد تلذّذت في هذه المدينة، فالذائقة تلذّذت بالأطعمة اللذيذة، والشامّة بالروائح الطيّبة، والباصرة بالشمائل الحسنة، والسامعة بالنغمات الرائقة والأصوات الرخيمة، واللامسة بالكواعب الناعمة: لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ
    ما فيه توقيع



  7. #7
    عضو سوبر مميز
    تاريخ التسجيل
    Aug 2005
    المشاركات
    2,786
    شكراً
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة
    معدل تقييم المستوى
    305

    مشاركة : الموضـوع مهم مهم للقراءة مسيرة الأرواح بعد الموت



    شدّ الرحال من جديد

    ونادى المنادي بالرحيل بمضمون: حيَّ على خير العمل. فحمل كلٌّ خرجه، وسِرنا حتّى وصلنا إلى مفترق الطريقين، حيث الطريق الموصل إلى القرية الخربة، وإذا غبُر الوجوه قد ظهروا من بعيد كالدخان الأغبر، فسألت الموكّل بالطريق: « ألا يمكن أن لا يصحبنا هؤلاء غبُر الوجوه ؟
    ».
    فقال: « هؤلاء صور نفوسكم الحيوانية ذات القوتين: قوّة الشهوة، وقوّة الغضب، ولا يمكن أن تنفصل عنكم، إلاّ أنّها متلوّنة، تتغيّر ألوانها، فهناك السوداء الفاحمة، وهناك السوادء الفاتحة والبيضاء، وهناك البيضاء الناصعة، كما أنَّ أسماءها تختلف أيضاً: فهذه الأمّارة، وتلك اللوّامة، والثالثة المطمئنة. فإذا صارت بيضاء ومطمئنة، كانت كثيرة الخير لكم، وبالغة بكم أعلى الدرجات، حتّى تصبحوا سرور الملائكة، وهذه نعمة ينعم الله بها عليكم، ولكنّكم تكفرون بالنعمة، وتظهرونها كأنّها النقمة. إنّ كلّ ما فعلتموه فعلتموه في الدنيا، وكلّ بذر بذرتموه فقد كان هناك، ونموه في فصل الربيع ليس بيدكم: أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
    والمثل العربي يقول:
    «
    في الصيف ضيّعتِ اللبن
    التحق بنا غبُر الوجوه، كلّ بصاحبه، وسرنا وتفرّق شملنا. تخلّف عنا واحد أو اثنان مع أغبرَيهما ، وتقدّمنا واحد أو اثنان، وكنت أسير مع أغبري حتّى وصلنا إلى سفح جبل، حيث ضاق الطريق وأصبح وعراً، وكان في أسفل الجبل وادٍ عميق، إلاّ أنّ قعر الوادي كان أرضاً منبسطة، ولكنّي كنت أودّ السير على الجبل؛ لأنّ الهواء في الوادي كان خانقاً. أسرع إليّ الأغبر وأيّد رأيي قائلاً: إنّه فضلاً عن انحباس الهواء في الوادي، هناك الحيوانات المفترسة والزاحفة، بينما يمكن في المرتفعات التمّتع بالنظر إلى الأطراف.
    وبما أنّي في أوائل دراستي في العالم المادي كنت في الأعلى ومتفوقاً على الأقران، اتخذت طريق الجبل صعداً، ولكن لم نجد ثمّة طريقاً إلى القمّة، فأخذنا نسير على السفح، غير أن الطريق لم يكن مستوياً، ولتحرّك الحصى تحت قدمي انزلقت، ووقعت عدّة مرّات، وتدحرجت بضعة أمتار، وكدت أتدحرج إلى أسفل الوادي، ولكنّي كنت أتمسّك بالحشائش والصخور لئلاّ أسقط، إلاّ أن يديّ ورجليّ وجنبي أُصيبت بالجروح والخدوش، وانكسر أنفي عند اصطدامي بصخرة
    فقلت للأغبر: « ما أبدع تمتّعنا بالمناظر في هذه المرتفعات! ليتني كنت قد سرت في الوادي ».
    كان الأغبر يضحك منّي، ويقول: « لقد سبق لك أن قرأت:
    «
    من استكبر وضعه الله، ومن استعلى أرغم الله أنفه ».
    ولكنك لم تتّعظ، فيقال لك: ذُقْ إنَّكَ أنْت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
    على كلّ حال.. استطعت التخلّص من ذلك السفح الخطر بعد تحمل الكثير من المشاقّ والمتاعب بجسم مجروح مكدود. إلاّ أن الشخص المسكين الذي كان يسبقني في الطريق على السفح نفسه قد هوى من ذلك العلوّ إلى الوادي، وسمعت صوت أنينه يتعالى، بينما جلس أغبره إلى جانبه يضحك منه، وبقي هناك.
    والخلاصة: إنّني وصلت بعد العناء المهلك إلى أرض سهلة لم ألقَ فيها كثيراً من الصعاب، لولا العطش وحرقة تلك الجروح. ولقد حاول الأغبر أن يقنعني عدّة مرات بدلائل عقلية لإخراجي من الطريق، ولكنّي لم أُعِره أُذناً صاغية، على الرغم من ميلي إلى ذلك. وإذْ رأى أنّني لم أطعه، تخلّف ورائي في السير.



    على مائدة الصائمين

    وصلت إلى بستان كان طريقي يمرّ من خلاله، وهناك رأيت بضعة أشخاص يجلسون على حافة حوض ماء، وأمامهم أنواع من الأثمار الشهيّة، وما أن رأوني حتّى أظهروا الاحترام ودعَوني للجلوس معهم، ومشاركتهم في تناول الفاكهة، وقالوا بأنّ الله قد توفّاهم من دار الغرور وهم صيام، وهذا طعام فطورهم، وإنّهم يَرَون أن لي حقّاً في أن أُشاركهم فيه، لأنّني لابدّ أن أكون قد دعوتُ أحد الصائمين إلى الإفطار عندي. فجلست وأكلت من تلك الفاكهة، فارتويت وزال عني العطش وما كنت أحس به من ألم
    .
    سألوني: « ما الذي جرى لك في هذا الطريق ؟ ».
    فقلت: « الحمد لله على كلّ حال، وكلّ المصاعب التي عانيت منها قد زالت برؤيتكم. إلاّ أنّ عدداً من المارّة قد تخلّفوا على أثر اقتناعهم بوساوس هؤلاء الغُبر، وأنا نفسي كدت أن أقع ضحية أغبري، ولكنّي لم أكترث بأقواله فتخلّف عنّي، وإنّي لأرجو أن لا يصل إلي ».
    فقالوا: « ليس الأمر كذلك، إنّ هؤلاء غبُر الوجوه لا يرفعون أيديهم عنّا. إنّهم في هذه الأرض السمحة يؤذوننا بلسان المكر والخديعة، ولكنهم قد يحاربوننا بعد هذا مثل قطاع الطرق ».
    فقلت: « فكيف نعمل ولا سلاح عندنا ؟ ».
    قالوا: « إنّ مَن أعدّ لنفسه سلاحاً في دار الغرور فإنّه سوف يجده هنا في المراحل التالية. فقد قال الله تعالى: وأعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِبَاطِ الخَيْلِ تُرهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللهِ وَعدُوَّكُمْ (46) ».
    قلت: « كنت أفهم من هذه الآية ما يتعلّق بالإعداد والاستعداد للجهاد في الدنيا ».
    قالوا: « إنّ القرآن وما فيه من تعاليم يخصّ كلّ العوالم والمنازل والمقامات، فهو يجمعها كلّها، ويشمل جميع مراحل الوجود، وإلاّ لكان ناقصاً، مع أنّه خاتم الكتب وقد نزل على خاتم الأنبياء، فكلّ ما كان خلف الستار قد ظهر ».
    ثمّ نهضنا جميعاً وأخذنا نسير تحت الأشجار المثمرة ونمرّ بالأنهار الجارية، وقد عبق الجوّ بالريحان، وامتلأت القلوب بالفرح والسرور، وكأنّها قد تجلّى لها الجمال الإلهي.


    ما فيه توقيع



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. سطور ليست للقراءة بل للتفكير
    بواسطة الفراشه الحائرة في المنتدى منتدى المواضيع المكررة والمحذوفة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 04-09-2009, 02:16 AM
  2. سطــــــــور ليســــــــت للقراءة
    بواسطة One Way في المنتدى منتدى المواضيع المكررة والمحذوفة
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 02-28-2009, 01:39 AM
  3. مشاركات: 66
    آخر مشاركة: 07-08-2007, 11:57 AM
  4. كيف نكون ::عائلة محبة للقراءة ::
    بواسطة أمل الظهور في المنتدى منتدى الأسرة والطفل
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 08-31-2006, 03:32 PM
  5. سطور ليست للقراءة ..!!
    بواسطة توأم الفرح في المنتدى المنتدى العام
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 04-01-2005, 12:10 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •