لا تلوموا محباً حين يبكي علياً
كيف لا يبكيه وقد أبكى حتى أعدائه
"قال معاوية بن أبي سفيان لضِرار بن ضَمُرة:
صف لي عليا.
قال أوْ تُعفيني! قال: بل صفه!
قال: أوْ تُعفيني! قال: لا أُعفيك!
قال: أمّا إذن
فإنه والله كان بعيد المدَى، شديد القُوَى، يقول فصلا، ويحكم عدلا. يتفجر العلم من جوانبه، وينطق بالحكمة من نواحيه. يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته.
"كان والله غزير الدمعة، طويلَ الفِكرة، يقلِّبُ كفّه، ويخاطب نفسه. يعجبه من اللباس ما خَشُن، ومن الطعام ما جَشُبَ.
"كان والله كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويأتينا إذا دعوناه. ونحن والله مع تقريبه لنا، وقربه منا، لا نكلمه هيبة ولا نَبتدئه لعظَمه.
"فإن تَبَسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين ويحب المساكين. لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.
"وأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سجوفه، وغارت نجومُه، وقد مَثُل في محرابه قابضا على لحيته، يتململ تملمُلَ السليم (الذي لدغته الحية)، ويبكي بكاء الحزين.
"وكأني أسمعه وهو يقول: يا دنيا! يا دنيا! أبي تعرَّضْتِ! أم لي تشوَّفْتِ! هيهات هيهات! غرّي غيري! قد بتَتُّكِ (طلقتك) ثلاثا! لا رجعة لي فيك! فعمرك قصير! وعيشك حقير! وخطرُكِ كبير. آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق!"
قال الراوي: "فذرفت دموعُ معاوية حتى خرَّت على لحيته فما يملِكُها، وهو يُنَيِّفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء
عن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها) أنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
( ما قـوم إجتمعوا يذكرون فضل عليّ بن أبي طالب إلاّ هبطت عليهم مـلائكة السّـماء حتّى تحـف بهم، فإذا تفـرّقوا عرجت الملائكة إلى السّماء،
فيقول لهم الملائكة:إنّا نشّـم من رائحتـكم ما لا نـشّمه من الملائكة، فلم نر رائحة أطيب منها؟.-
فيقولون: كنا عند قوم يذكـرون محمّداً وأهل بيته، فعلق فينا من ريحهم فتعـطّرنا، فيـقولون اهبطوا بنا إليهم،
فيقولون: تفـرّقوا ومضى كل واحد مـنهم إلى منزله،
فيقولون: اهبطوا بنا حتى نتعطّر بذلك المكان ).
العلامة المجلسي في بحار الأنوار ج 38 ص199 ح7، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص289.






رد مع اقتباس
المفضلات