الج ـزء (27)


أنزلتني صفاء عند باب البيت ،
و انطلقت بسيارتها باتجاه بيت خطيبها و قد كانت مدعوة على عشاء عندهم كما أخبرتني ..
دخلت البيت تعتلي وجهي ابتسامة انتصار و فرح ،
و كلِّي أمل بأن أرمي بنفسي سريعاً في أحضان والدتي .. لأخبرها بأني قد تخلصت اليوم من عقبة مؤلمة كانت تقف أمام سعادتي مع عصام ..
و لم أكن لأتجاوز هذه العقبة إلا لأني قد تمسكت بمبادئي ،
و كُلِّي إيمان و ثقة بأن الخير هو دوماً أقوى وسيلة لمواجهة الشر ..
و أن في أعماق كل منَّا يقبع إنسان الخير..
لذا فإني في تعاملي مع الآخرين..
مهما كانوا سيئين ..
أعمل جاهدة ، أما بابتسامة مني أو زيارة أو مصالحة .. على إيقاظ هذا السُبات في أعماقهم ..
إلا أني فوجئت بوجوه من كانوا في الصالة !
الجميع كانت وجوههم بائسة..
شاحبة .. بنظرات باردة ..
بل أنهم لم يردوا حتى السلام عليّ..
كما هو المفروض !
" خير يا جماعة ! ..
ما بكم !!
و لكأن على روؤسكم الطير! ماذا حدث ! "

أطلت عليَّ خالتي من الصالة الأخرى و هي تحمل بين ذراعيها نور ،
و التي كانت شبه نائمة ،،
و يعتلي وجهها عرق بارد، تجمع ليسيل على جانبي خدها!
" لا أدري يا مرام .. نور محمومة جداً ! و لا تكاد تستفيق من النوم !
إنها في حالة يرثى لها .. ! المسكنات و المضادات لم تعطي أية نتيجة ! "


أسرعت أحمل نور من بين يدي خالتي ،
و أضمها إلى صدري بقوة !
" نور ،، نور ..حبيبتي .. صغيرتي .. جاوبيني ! "

تلمست جبينها لأتحسس درجة حرارتها !
و يا الله ..
فقد تراجعت يدي لا إرادياً من شدة وهج حرارتها ..
" يا إلهي .. إنها محمومة ! لا بد من أخذها إلى الطوارئ فوراً ! "

أسرعت أدير رقم صفاء ،
على أمل أنها لم تبتعد بعد كثيراً ..
لتعود أدراجها و نأخذ معاً نور إلى المستشفى .. !
لكن يا للكارثة ..
فقد نسيت تلفونها المحمول عندي ..
مذ أن كنَّا في السيارة !
أدرت رقم أخي عادل ..
لكن هو الآخر .. تلفونه كان مقفلاً !
" يا إلهي .. ما العمل .. فزوج خالتي لا يزال في العمل ! ..
" عصام !! "

هكذا قفز اسمه فجأة إلى مخيلتي ..
لينصب عليه الأمل في انقاذ نور المسكينة ..
من الحمى الشديدة التي آلمت بها !
أدرت رقم عصام فوراً دون أدنى تردد ..
ليجيئني صوته بعد دقيقة واحدة أو أقل ..
" هلا مرام "
" عصام أنقذنا .. يجب أن تأتي حالاً.. و بسرعة ..
نور محمومة ولا أظنها بخير .. ستموت! "

ثواني صمت مرت قبل أن ينطق متكاسلاً ..
و لابد أنه كان فيها يستوعب الأمر ..
" نعم عزيزتي .. و لكن .. "

قاطعته بشيء من العصبية ..

" عصاااااام !!! "
" حسناً .. حسناً عزيزتي .. هدئي من روعك !
دقائق قليلة و أنا عندكم !! "


مضى الوقت بطيئاً و أنا أذرع الصالة جيئةً و ذهاباً .. بانتظار قدوم عصام ..
أحمل بين ذراعي نور المحمومة .. و أتمتم تارة بآيات الشفاء ..
و تارة أخرى أرقب عقارب الزمن ..
و لكأن الوقت يداهمنا !
عشر دقائق كاملة كانت قد مرت..
قبل أن يرتفع أخيراً جرس الباب..
منبئاً عن قدوم عصام ..
و لم يكن بالطبع هناك أي داع لأن يدخل عصام..
و نور حبيبتي بين الحياة و الموت .. !
لذا وافيته و بسرعة إلى داخل سيارته ..
إلا أني و ما أن ركبت إلى جواره ،
حتى بدأ أنفي يتحسس رائحة غريبة !!
و لكأنها رائحة .. رائحة دخان !! "جكـاير" !
و يا إلهي ,, إنها تنبعث و بقوة من ثياب عصام !
" عصام .. هل كنت تدخن !
إني أشم رائحة سجائر ؟! "
" بالطبع لا ياعزيزتي ، لكني كنت في صحبة بعض المدخنين اليوم ! "
حدسي أخبرني بأن الموضوع أكبر من مجرد صحبة بعض المدخنين !
كما يقول لي عصام ،
لذا عاجلته بسؤال آخر !
" و أشم رائحة ( معَسّل ) أيضا ً ! "
" حسناً.. لقد جلسنا في مقهى أبا محمد قليلاً .. !
ما بك عزيزتي ؟ .. لكن لِمَ هذه النبرة ! "


" يا لهوي !
فزوجي ممن يرتادون المقاهي الشعبية ..

و يصاحبون ثلة من المدخنين ..
و يستمتعون بتدخين الشيشة .. !!! "

دارت بي الدنيا و أنا أدرك هذه الحقيقة المرّة ,,
فلكم كنت سابقاً أسخط على هؤلاء الشباب ..
مرتادي المقاهي ..
و أعتبرهم شباباً فارغاً !
بل أني كنت حتى أكره سماع كلمة ( الشيشة ) أو ( القهوى ) !
و ها هو زوجي اليوم ، و بأعصاب باردة ..
يخبرني و ببساطة إنه منهم !
و أن هناك من تحتل قلبه غيري ..
إلا و هي الشيشة اللعينة !!
" لكن هيّين يا عصامووو .. يا أنا .. يا هي !! "
بالطبع أقصد الشيشية بكلمة هي !
و شردت بنظراتي بعيداً عن عصام ..
مركزة إياها على نور المسكينة و التي كانت بين ذراعي .. تلهث بشدة ..
و قد أخذ صدرها يعلو و يهبط..
بصورة ملفتة للنظر ..!!
" نور حبيبتي تماسكي .. دقائق و نصل المستشفى ! "

يا رب.. ارحمها و شافها ..
و أبعد عن صغيرتي ، و حبيبة قلبي أي مكروه و سوء ..




.. البقية تأتي ..