الج ـزء (16)

تجمد الزمن ..
و أنا أرقب بطرف خفي خطيبي عصام ...
و هو يقف ببطء شديد .. لاستقبالي ..
و عيناه تكادان لا تفارقاني..!!
تتسعان تارة .. و تضيقان تارة أخرى ..!!
لترتسم شيئاً فشيئاً ابتسامة واسعة جداً على ملامح وجه خطيبي المبجل ..!!

ثم لكأن الزمن أدار عقاربه مرة أخرى ..
و قد نبضت الحياة في جسد عصام هذه المرة ..
ليتوجه باتجاهي ..

-"يا الهي ..إنك جميلة جداً .. لا بل رائعة الجمال ! "
ثم و بحركة سريعة احتواني بين ذراعيه ..

و هو يطبع قُبلةً سريعةً على جبيني.. جعلتني أتجمد كلياً .. لعدم توقعي مثل هذه الحركة بتاتاً منه ..
" هييي.. انتوا بس غضوا بصركم لما تشوفوا مثل هالحركات .. و ما عليكم مني .. هذا بعلي .. و زوجي .. يعني حلالي .. !! خليكم متفرجين بس .. و بلاش أي حركات اعتراض .. ! "

حركة عصام هذه أربكتني بالفعل .. إلا أنها ساهمت بقدرة عجيبة على امتصاص جميع مشاعر الغضب التي كانت تكتنفني قبل ثوانٍ قليلة منصرمة ..
من عصام و من سي السيد ..
و كدت أنسى في الأساس أن لا زلت ( زعلانة )..
و لم أتذكر ( زعلي ) إلا عندما ترجمت أذناي سؤال عصام إياي بشيء من الدلال ..
-" ها شخبار الزعلانين الحلوين ؟!! "


عندها فقط أطرقت رأسي و أنا أتذكر بأني ( زعلانة) ..
و لابد من التصرف على هذا الأساس ..
لذا أطرقت رأسي .. و شردت بأنظاري بعيداً عنه ..
و أنا أجيد تمثيل دور ( الزعلانين ) الحقيقيين ..
عندما رفعت أنظاري .. بعد ثانيتين من (الزعل) ..
لمحت باقة ورد حمراء كبيرة بين يدي عصام ..
و هو يرفعها لي .. !!
ابتسامة واسعة رسمت نفسها بنفسها على شفتي ..
و أنا أرى تلك الباقة الكبيرة جداً .. مقدمةً لي ..
و من خطيبي ..
" إذا السالفة فيها ورد و هدايا.. خلاص أنا كل يوم و الثاني بمثل إني زعلانة ! و إلا إيش رايكم ؟! "

و قبل أن تنفرج شفتاي عن أي ابتسامة..
ارتفعت يد عصام فجأة لتلامس خدي برقة ..
خثرٌ عجيب قد تسلل إلى خلايا جلدي ..
لم يستمر لأكثر من ثانيتين .. قبل أن أتنبه إلى صوت عصام و هو يهتف مستنكراً :
" ما هذا ؟؟ .. هل هذا نوع جديد من الماكياج

أم ماذا ؟!! "

" أيُّ هذا ؟؟!! "

و ارتفعت يدي بتلقائية أتحسس الموقع الذي لامسه عصام للتو على وجهي ..
و إذا بي أكتشف بقعةً كبيرةً جداً من الألوان ..
قد لطخت بها نفسي خطأً عندما كنت أرسم قبل قليل ،،
و لم أطل الوقوف متسمرة هكذا بوجهي المصبوغ ..
إذ سرعان ما تعذرت بضحكات قصيرة أُداري بها الحرج الذي أصابني ..
قبل أن أهرع إلى دورة المياه..

" و الله فشيلة .. ما خليت لون ما صبغت فيه وجهي !! شي أحمر .. و شي أخضر !! "

ماذا سيقول عني عصام الآن ..!
مهرجة .. أو ربما طفلة لا تجيد سوى تصبيغ وجهها بالألوان عوضاً عن الماكياج ! "

تعمدت الغياب لأكثر من ربع ساعة ..
على أمل أن تساهم هذه الدقائق الطويلة في امتصاص الحرج الشديد الذي أوقعت نفسي فيه ،، و الذي سببته لي الألوان ..
عندما عدت إلى المجلس بعد حين ..
وجدت زوجي مطأطئ الرأس .. شاحب النظرات .. شارد بفكره مشغول البال ..
قابضاً بيده بقوة على هاتفه المحمول يوشك أن يحطمه .. التقت نظراتي بنظراته سريعاً ..
باحثة عن حدث مهم غيّـر من حال عصام ..
من خطيب مشتاق محملاً بباقة ورد و عواطف حب جياشة ,,
إلى خطيب آخر .. حائر النظرات .. مطأطئ الرأس .. و في أعماقه ألف طوفان و طوفان ..
آآه و لكم هو شتان بين العصامين !
-" عصام .. خير ؟! .. ماذا حدث .. ! "
-" ها .. لا شيء .. لا تكترثي عزيزتي .. ليس بالأمر المهم .. ! "

قادتني رجلي إلى حيث جلست بجانبه ..
ثم أني علّقتُ نظراتي بنظراته..
فقط لكيلا يحاول الشرود بهما بعيداً عني ..
فكما عودتني تجاربي القصيرة في الحياة أن لغة العيون هي أصدق اللغات على الإطلاق ..
ومحال أن تكذب عيون الحبيب على الحبيب .. !
لم تطل لحظة عناق النظرات تلك لأكثر من ثوانٍ معدودة .. إذ سرعان ما طأطأ رأسه مستسلماً و هو يقول ..
" حسناً .. حسناً ..
جاءني هاتف من محامية عمتي .. تنبئني بأن عمتي الموقرة و ابنتها الفاضلة قد رفعا قضية حجرٍ على والدي يتهمونه فيها بالقصور !!
و هذا كله فقط ..

للحصول على قطعة أرض تركها جدي لوالدي قبل وفاته .. دون أي نصيب لعمتي فيها ..
و قد تزوجت عمتي دون إرادته .. و سافرت مع زوجها منذ سنين إلى أمريكا .. دون أي اعتبار لعادات و أعراف عائلتنا ..
ثم أنها لم تكترث لكل ما حدث للعائلة من مشكلات بسبب عقوقها و هجرانها .. كل تلك السنين المنصرمة ..
و لم تعد إلى أرض الوطن إلا قبل سنتين فقط ..
بعد أن توفى جدي .. من أجل المطالبة بحصتها في
الإرث ! "

ثم أن عصام قد قبض و بشدة على كفه ضارباً بها جانب المقعد ..
-" سحقاً كيف تعمي المادة القلوب !! و كيف تحيل بني آدم إلى دميةٍ مجردةٍ من أية مشاعر !! "


و بتر عصام حديثه فجأة على رنة هاتفه المحمول مجدداً ..
إلا أنه ترك الهاتف يرن مطولاً .. قبل أن يقرر الرد عليه متردداً ..
كنت أنا في هذه الأثناء لا أزال تحت سيطرة ما قَصَّهُ عصام لتوِّه عليّ ..
و قد أغرقتني دموعي من شدة التأثر ..
إلا أني مع هذا ..
فقط التقطت أُذناي جملة عصام اليتيمة التي رد بها على صاحبة الاتصال .. و هو يزمجر فيها صارخاً ..
-" مستحيل .. فالصفقة يا محترمة محالة .. و لتبحث لها عن زوج يناسب ثقافتها الأمريكية .. !! "

و مع أن تلك العبارة قد فعلت مفعولها في تأجيج نيران الغيرة في أعماقي ..
لكني لم أكن أبداً لأطالب عصام و هو في مثل هذه الحالة النفسية و الضغوطات الشديدة التي تحتويه بأي تفسير ..
و خصوصاً أن قلبي قد حدثني مسبقاً من هي صاحبة الصفقات المحالة ..




.. للحديث بقيه ..