الج ـزء(13)


انطبعت ابتسامة ناعمة رقيقة على وجه عصام ..
و قد عدل عصام من وضعيته و مد يده إلى حيث يوجد مفتاح السيارة ..
و همّ بإدارة محركها !
لكن و لسوء حظي في هذا اليوم على ما يبدو.. فقد آثرت ماكينة السيارة أن تبقى في سباتها فلا تستجيب لعصام ..!!
ارتسم عبوس واضح على جبين خطيبي و هو يعيد الكرة مرة أخرى ..

لكن لا من مجيب !
" أوووه ..!!!
لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم .. و الله و اكتملت ..الله أكبر على هيك نهار ! .. يا كافي الشر عدي هاليوم على خير !"

ثم نزل عصام من مقعده و اتجه إلى حيث فتح الصندوق الأمامي للسيارة ..
و شمر عن ساعديه ليبدأ محاولاته الجاهدة في أن يكشف سبب علة سباتها !
بعد دقائق مرت كأنها زمن جد طويل ..
أطل علي عصام من النافذة .. و لا زالت أمارات السخط مرتسمة عليه !
-" إنها البطارية على ما يبدو ! "

في هذه اللحظة بالذات ..
عادت سيارة المراهقين لتقف إلى جوارنا بالضبط ..و لتتعالى ضحكاتهم الصارخة من خلف زجاج نافذتهم الأسود ..
و كذا أصوات موسيقى ( البوب ) و التي كانت تنافس في علوها صدى ضحكاتهم و نظراتهم الساخرة ..
بحثت في هذه اللحظة بأنظاري عمن يسمى بخطيبي ..
لعله يحميني من أمثال هؤلاء التافهين .. و حاولت أن أركز أنظاري عليه .. فأهمل هؤلاء .. لعلهم يشعرون بمدى تفاهتهم و ينصرفون !!!
كان خطيبي المبجل لحظتها مصفر اللون باهتاً شاحباً ..
و عرق غزير قد بدأ يسيل من جميع بدنه ..!!
و وقوف سيارة ( البوب ) إلى جوارنا زاد من انفعال عصام ..!!
إذ بدأ يعبر عن سخطه وكل شرارات الغضب التي كانت في أعماقه بوضوح..
فبدأ خطيبي يرفس السيارة بقدمه و يشبعها لكماً بكفه و كذا لسانه ..
و لكأن هذه الجماد ستستجيب له تحت وطأة كل هذا الكم الهائل من الشتائم و الركل الذي ألبسه عصام لها و هو ثائر في شعلة غضبه !
ثم بدأت ثورة عصام تتعدى حدود ركل السيارة ..
و قد توجه إلى هؤلاء المراهقين .. ليشتبك معهم بالأيدي و الألسن .. !
و كاد الأمر أن يتطور إلى الشرطة .. و خصوصاً أن عصام قد ألحق ضرراً بأحدهم .. و قد بدأت دماء الآخر تسيل من فمه .. !
لكن الله ستر ..

و آثر هؤلاء المراهقين اللواذ بالفرار .. قبل مجيء الشرطة ..
غصت أكثر و أكثر في مقعدي .. و أنا أرقب ثورة خطيبي على سيارته .. !! فاقدا ً زمام أعصابه كلياً !!
و أخذت أدعو الله في سري .. أن يمضي هذا الموقف أيضاً على خير ..

و أن تعود السيارة إلى الحياة .. قبل أن يحدث ضرراً كبيراً في أو في عصام الثائر ..!!
لكني لا أخفي أبداً إعجابي بعصام و هو يعارك هؤلاء المغفلين ..

فقد كان خطيبي مصارعاً ماهراً .. قوي اللكمات .. سريع الحركة و الهجوم .. عاد عصام إلى داخل السيارة بعد دقائق .. ليحاول مجدداً مع السيارة اللئيمة
" يا رب.. أرجوك .. دع المحرك يعمل "
لكن .. لا فائدة ..
-" لن يعمل .. لابد من مساعدة أحدهم .. سأتصل إلى صديقي ! "
قال عصام عبارته هذه و هو يختطف هاتفه المحمول .. ليتصل إلى أحدهم ..

و ليخاطبه بلهجة مرتبكة .. و كلمات كثيرة مرتبكة ..
لم تكن لتصل إلي بوضوح ..
و عصام ينطقها بصعوبة و هو تحت تأثير سلطان غضبه.. الذي كان يبتر كلماته بتراً !
عندما أنهى عصام حديثه الهاتفي ..

وجدت بعد دقائق سيارة سوداء ضخمة .. تقترب منا ..
و تلوح منها علامات الفرج .. و أمارات الإنقاذ !
تبادل عصام مع صاحبه بضع جمل مقتضبة ..

قبل أن يشمر كل منهما عن ساعده .. و يبدأ العمل معاً على إحياء محرك السيارة الغارق في السبات !
لم تأخذ عملية إحياء السيارة أكثر من ربع ساعة ..

لكننا كنا قد تعطلنا أصلاً على ما يزيد على الساعة إلا ربع ..
و نحن نعاني من سبات السيارة ..لذا و بمثل هذا الموقف الفضيع ..
و أعصاب عصام المتوترة .. كنت قد فقدت شهيتي كلياً للأكل ..
بل و نسيت أمر العشاء في المطعم الموعود ..!
انطلقت سيارة عصام أخيراً .. لتجوب أزقة العاصمة ..

ببطء شديد خوفاً من أن تعاود البطارية سباتها ..!
طالعني عصام بطرفه ..

و من ثم نظر إلى قميصه الأزرق المتسخ كلياً بــ (آيل) السيارة و بعرقه ! ..
و تركزت أخيراً أنظار عصام على ساعة السيارة و التي كانت تشير لحظتها إلى العاشرة و النصف ..
-" إلى البيت ..!! "
قلتها و قد تسرب إليّ فكر عصام و معنى نظراته .. ففهمت قصده واضحاً منها.. لذا و من أجل أن أريحه فقط ..

فلنؤجل خروجنا للمطعم .. وكذلك جميع النزهات ..
و ما المانع من تأجيل خطوبتنا أيضاً .. و إلى أجل غير مسمى !!!!

حاول عصام أن يحرك شفتيه بأي كلمات يبرر فيها جميع المواقف الكثيرة المتسارعة ..
و التي حصلت لنا كلينا في هذا اليوم المأساوي ..!!
لكن و على ما يبدو ..

أن جميع كلمات الاعتذار كانت قد تجمدت على شفتيه دون أن يكون لها أي مفعول !
و مع أني لا أؤمن بتاتاً بمفهوم الحظ أو النحس !! ..
لكن انتابني شعور عميق مفاده أن هذا اليوم .. لا بل هذا الأسبوع ..

ليس لي !
فيا له من يوم صعب ..!
قد توالبت فيه علي و على عصام أحداث جسيمة شتى !
" لطفك يا رب .. و سترك ! "
و قبل أن أسلم جسدي إلى سلطان النوم في تلك الليلة ..

جاءني صوت هاتفي المحمول ينبئني بورود مكالمة هاتفية !!
و لمـّا كان الرقم المتصل .. رقماً غريباً ..

آثرت عدم الرد عليه ..
خوفاً من أن يكون المتصل هو أحد هؤلاء الشباب المراهق التافه ..
و الذي يبحث في أنصاف الليالي عن ضحايا.. يحتويهم بكلام معسول ..
و وعود وهمية بالحب و الزواج !
إلا أن تكرار الاتصال و لعدة مرات ..

جعلني أشعر أن المتصل يعرفني شخصياً .. و أنه يقصدني أنا بالذات ..
لذا رفعت السماعة بشيء من الاضطراب !
ليجيئني صوت أنثوي متقطع.. انقبضت جميع عضلات صدري بلا استثناء .. لدى سماعي له !
و قبل أن أبدأ محاولة معرفة من هي تلك المتصلة ..

توالت على أسماعي سيل من الشتائم المتواصلة !!!
فقد كانت صاحبة الاتصال تهينني ..

و تتهمني بأن خاطفة للرجال !!
" هييييي،، لحظة لحظة !!!
من أنت يا هذه لتتحدثي معي بمثل تلك اللهجة !!
أرجوك احترمي نفسك .. و راقبي ألفاظك . و إلا فإني مضطرة لأن أغلق السماعة في وجهك أيما كنتِ !! "

لكن لا فائدة .. فقد أعادت تلك المجهولة على أسماعي سرد شتائمها ..
و التي أخجل حتى من ذكرها ..!!
إلا أنه قد امتزج صوتها هذه المرة بشيء من النحيب و البكاء .. و من ثم تقطع الأنفاس و التنهد العميق !!
اضطررت لأن أغلق سماعة الهاتف .. لأني لم أكن لأعرض نفسي لمثل هذه الشتائم أبداً ..
لكني لا أنكر أن هذا الاتصال قد أثار فضولي كلياً ...

و خصوصاً أنها قد نطقت باسم عصام عدة مرات !! أو هكذا تخيل لي !
فيا ترى من هي هذه المتصلة المنهارة .. و ما قصتها مع عصام .. !!
و لما تتهمني أني قد خطفت عصام منها ؟
و لما لم يصارحني عصام بوجودها سابقاً في حياته !!
أسئلة كثيرة سلبني التفكير فيها النوم تلك الليلة ..!!
" آآه .. أموت و أعرف إيش سالفة هالحرمة !!
و ايش دخلها في عصام .. خطيبي المبجل ! "





البقية تأتي...