الج ـزء (12)


" ما هي هالليلة و بس .. و أنت متغير علي ّ !
صار إلك كم ليلة .. و أنت بالك ما هو إلي ّ
حاضر بقلبك و غايب ... و أنت يا أغلى الحبايب ! "


أغنية جداً قديمة قد خطرت في بالي فجأة ..
و أنا أجد نفسي في موقف جداً مضطرب .. متوج بالإرهاق النفسي الذي كان عصام يعاني منه في تلك اللحظة !
ومع إدراكي التام بكم المعاناة النفسية التي يعانيها عصام .. و توالب الظروف جميعها عليه في ذات الوقت ..

فمن ناحية مرض أبوه المفاجئ ..
و من ناحية أخرى عمله و طوارئه ..
و ربما العمة و الابنة من ناحية أخرى ..
ومن المفترض بي أن أقف إلى صف زوجي في جميع الأحوال مهما كانت الظروف ..
لكن ..
وفي المقابل ..
أنا أيضا أبحث عمن يتفهمني .. و يغدق علي من بحر عواطفه و حنانه !
فطبيعة أي أنثى أنها و مع أنها بركان متأجج من العواطف ..

إلا أنها تظل و على مدى العمر بحاجة ماسة لأن يغرقها أحدهم بالعاطفة الصادقة القويمة !
و عندما لم أجد أي قرار صائب في مثل هذا الموقف ..

أطرقت رأسي أخيراً و أنا أهمس إلى عصام ..
-" أنا جد متفهمة يا عصام .. و مقدرة للظروف التي تمر بها ..
لكن أرجوك ..
أنت أيضا تفهمني .. فطبيعة الأنثى تختلف تماماً عن طبيعة الرجل ! "
في هذه اللحظة كنا قد وصلنا عند بوابة شركة ضخمة ..
خمنت أن عصام يعمل فيها ..
أوقف عصام محرك سيارته .. و من ثم استدار إلي ..
ثم مده يده يبحث عن يدي .. ليعانقهما طويلاً هذه المرة ..
نظرات عصام أيضاً كانت جداً عميقة و مشبعة بالعاطفة ..
و تحمل لي أشياء كثيرة .. من الصعب جداً أن أتمكن من وصفها ..
أرخيت يدي بين يديه ..
و سمحت لهما بان يطيلا من عناق يديه ..
في حين أني أطلقت العنان لعيني ليبحران في بحر عينيه .. إلى حيث تجدان ما يشبع كياني من الحنان و العاطفة التي أبحث عنها ..
وخطر لي في لحظتها كم هي عيناه دافئتان على الرغم من خيوط الهموم الدقيقة المحيطة بهما ..
و لمـّا أدركت أن لا أحد منا سيتحرك أو سيتفوه بأي كلمة .. لينهي بها هذا الموقف العاطفي ..
نطقت حينها بما وجدته مناسباً في تلك اللحظة ..
-" لا تتأخر كثيرا .. فأنا في الانتظار .. ! "
ابتسامة سعادة واسعة زحفت على شفتي عصام و هو يهتف لي شاكراً ..
-" كنت أعلم أنك جد عاقلة و متفهمة ..
صدقيني يا مرام .. أنه حال ما تنفرج الظروف قليلاً ..
أني سأسعى إلى تطويقك بالسعادة الأبدية .. و بتحقيق كل ما تتمنينه .. حبيبتي ! "
" حبيبتي .!!!!!!
لكأني سمعت كلمة حبيبتي ؟!!
هل نطق عصام بها بالفعل .. أم أني أحلم بها مثلا !!! "

" أووه ..أخيراً قد فهم علي عصام ..
هذا بالضبط ما أي أنثى بحاجة لسماعه من خطيبها ..لا أدري لماذا؟؟..
و لكن هي الحاجة الفطرية للعاطفة ربما ،!! "
-" الله يخليك إلي يا عصام .. و يفرج الأمور و يعدي الظروف
على خير .. "
و هكذا نزل عصام من السيارة .. و اعتلى درجات المبنى الضخم الذي وقفت السيارة أمامه.. و من ثم غاب عن ناظري !
..و بينما أنا في الانتظار داخل السيارة .. اقتربت سيارة أخرى من سيارتنا و توقفت إلى جوارها ..
و لمـّا لمحت أن شابان مراهقان هما من يقودان تلك السيارة ..
أسرعت أقود نظراتي إلى الجهة البعيدة جدا عنهما .. محاولة شغل أنظاري في أي شيء سواهما ..
و قد تسلل إلي خوف مبهم .. و ربما شيء من الارتباك ..
فأنا عادة ما أنفر من أمثال هؤلاء المراهقين و أشكالهم المثيرة إلى الاشمئزاز .. و لكأني لمحت أن هؤلاء الشابين أخذا يقومان بحركات جداً غريبة يريدون بها لفت أنظاري إليهما ..
كأن يشيران من نافذتهما إلي .. و قد فتحا نافذتهما قليلا .. و رفعا من صوت المسجل إلى أخره ..
لترتفع منه صوت أغنية أجنبية بإيقاع سريع جداً .. و أكاد أجزم أنهما لا يفقهان شيئا من كلمات تلك الأغنية الهابطة ..!!
شعرت لحظتها بالخوف أكثر و أكثر .. و قد التصقت أنظاري ببوابة الشركة .. تترقب ظهور عصام ..
" يا ربي .. لقد تأخر عصام كثيرا ..
عد بعصام بسرعة أرجوك ! "

ارتفع لحظتها صوت هاتفي المحمول ليجيئني صوت ابنة خالتي صفاء ..
مستفسراً عن كيفية سير الأمور .. و إن كان كل شيء على ما يرام ..
" الحمد لله ..الأمور تمشي على ما يرام .. ادعي الله فقط أن يشافي أبيه .. لكيلا يتهمونني زورا و بهتانا أني فآل شر على الجميع .. "

و ودعتها بعد حين و قد اتفقنا على الخروج غداً إلى المجمع للتسوق ..
بعد إصرار شديد منها علي بالخروج للترويح قليلاً عن النفس ..
مع أني لم أكن متشجعة لمثل هذه الفكرة و خصوصاً في مثل هذه الظروف التي يمر بها عصام ..
لكني في النهاية وافقت .. و لم أستطع التهرب أكثر من صفاء و التي كانت تطالبني بالخروج معها منذ أسابيع عديدة .. !!
في تلك اللحظة لمحت خيال عصام و هو يظهر من باب الشركة..
و قد غاب داخلها ما يزيد على الربع ساعة ...
شعرت بها كأنها دهراً من الزمن ..!!
أسرع إلي عصام جرياً ..
و هو يلمح سيارة المراهقين و هي تتسلل مسرعة هاربة من غضب عصام و نظراته التي كان يتطاير منها الشرر !
سألني عصام هلعاً مفزوعاً إن كانوا قد سببوا لي أي ضيق

أو أنهم قد تحرشوا بي ؟!
-" قليلاً .. لكني لم أعرهم أي انتباه .. و قد أغلقت باب
السيارة علي ..! "
-" اعذريني مرام .. لن أتركك لوحدك مجدداً ! "
في تلك اللحظة بالذات ..تسلل إلي شعور حقيقي بالاهتمام الصادق النابع من نظرات عصام ..
من ابتسامة عصام .. من نبرة عصام .. من كل عصام ..
فتمنيت أن يستمر مثل هذا الحنان و الاهتمام أبد الدهر .. !
ثم أني شعرت أيضاً بمدى عصبية و حمية و غيرة عصام الحقيقية و خوفه علي !

و لم أكن لأستطيع تصنيف هذه الصفة فيه إن كانت من المميزات أو العيوب لشخصيته ..!
فهل هي صفة ايجابية فيه ؟! ..
أم أنها تحمل بين طياتها شيئاً من السلبية ؟!
سأدع مثل هذا التصنيف للأيام و المواقف .. فهي من ستكشف لي كل شيء في شخصية خطيبي المبجل..
بالعـِشرة وحدها ..
و لا أنكر تماماً أن لكل امرئ مميزات و عيوب ..
لكن و لكي يكون الارتباط وثيقاً و ناجحاً بين أي اثنين ..
فلابد أن تـُكمل مميزات شخصيته من عيوبي .. و أن تـُكمل مميزات شخصيتي من عيوبه .. !
فهل ستحقق لي الأيام مثل هذه المعادلة الصعبة في ارتباطنا السامي هذا ..!
من يدري ؟!! ..

هي الأيام وحدها من ستثبت لي و لكم ذلك .. !



.. للحديث بقيه ..