الج ـزء (11)

رميت بنظراتي على ابنة خالتي صفاء و التي شعرت بمدى اضطرابي لظهور العمة و ابنتها المفاجئ ..
وما كان من صفاء إلا أن تطرق لي إيماءة خفيفة برأسها ..
كانت كرسالة قلبية لي بأن لا عليك منهما و أن دعي الموقف يمر بسلام .. تجاهليهما ..
أسرعت المعتوهة الابنة اتجاه عصام و هي تتمايع في مشيها بذلك الكعب العالي ،،
و أقسم أني شعرت بها و هي في تموجها تكاد تقع في أي لحظة ,,
إذ أنها كانت بالكاد تعرف كيف تمشي بمثل هذا الكعب !!
-" عزيزي عصام ..
كيف هو خالي ؟! .. أنا جد قلقة عليه ! "

لحظة ..
كأن أذني قد سمعت كلمة عزيزي ..
هل نادت تلك المعتوهة خطيبي بعزيزي ..!! أم أني أتخيل الموقف فقط ؟!! و لأني لم أكن بقادرة بعد على ترجمة تلك الكلمة التي تفوهت بها الابنة للتو .. ظللت جامدة في مكاني ..
أحاول كبت بركان كان على وشك أن يتفجر في أعماقي ..
إلا أن نظرات صفاء أسعفتني و للمرة الثانية ..
" حسنا .. سأفوتها هذه المرة أيضا .. هذه المرة فقط .. "
هكذا همست لنفسي .. و أنا أجاهد للضبط من زمام ثورتي المرتقبة !
-" حالته مستقرة نوعا ما .. إلا أنه بحاجة ماسة للدعاء ! "
-" لا تتخيل أبداً مقدار خوفي الشديد عليه .. و حزني لما ألمَّ به .. ! "
-" سيكون بخير .. "

يا لهذه المعتوهة .. !!
أو ليست هي الطبيبة و الأدرى بحال خالها الصحية.. فيما لو أرادت أن تسأل الممرضة الموجودة هناك !
ثم ما بال لهجتها تصبح بمثل هذه الرقة و النعومة أمام عصام فقط .؟؟!
و ما بال مشيتها تصبح بمثل هذا الدلال و الغنج وأمام عصام فقط !!
و ما بها ..

تصبح بعواطف متفجرة .. و بركان من الحب و الخوف لعمها ..
و أمام عصام فقط !
ثم مال هذا العصام يسمح لها بكل هذا.. و أمام من تدعى رسمياً بخطيبته !!!!
تقدمت العمة بعد حين ..

لتزيد من توهج الموقف اضطراباً ..
فكان أول ما تفوهت به هو جملةً استفزازية قصدتني بها و لو بأسلوب غير مباشر ..
-" يا ربي سترك على أخي .. أمنن عليه بالعافية و الصحة .. و لكأن خطوبتكما فآل شر عليه و علينا جميعاً !! "
" هييييي ،، لحظة .. هل خطوبتي الآن أصبحت فآل شر و على الجميع !! "

اتسعت عيناي على آخرهما و أنا أغلي في أعماقي ..
لا بل بالأحرى أن حمم غضب شديد كانت قد بدأت تتفجر في أعماقي و أنا أرقب وجه عصام الجامد ..
" هييي.. إن لم تحسن التصرف يا عصام و تدافع عن خطوبتنا و زوجتك الشرعية .. فلا حياة و لا خطوبة بيننا ..!! "


هكذا همست في أعماقي قبل أن يتناهى إلي صوت أمي و هي تخبرني أنه قد انتهى وقت الزيارة ..
و أنه يتحتم علينا الانصراف ..
و مع استيعابي الكامل لما نطقت به أمي للتو ..
إلا أني أبيت الحراك قبل أن أرى ردة فعل خطيبي عصام على ما تفوهت به العمة ضد خطوبتنا للتو .. و هي ترميها بأنها فآل شر على الجميع ..
إلا أنه وجه عصام كان لا يزال جامدا دون أي ملامح ..
و لكأن لا موقف صار أصلاً و لا جملة غبية و اتهاماً شنيعاً تفوهت به العمة للتو ،،
لا لحظة ..

ها هو شيء من العبوس قد بدأ يزحف إلى عينيه أولاً ..
ثم إلى حاجبيه..
و شيئاً فشيئا ً بدا وجه عصام يعبر عن ما يعتري خاطره و يتعارك في أعماقه في تلك اللحظة ...
" هييي عصام .. أنا لا زلت أنتظر ردة فعلك .. هيا أرني ماذا ستقول إلى مثل هذه العمة ! "
ارتفع أخيرا ً صوت عصام عنيفاً حاداً ..
و كانت هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها عصام ثائرا ً بمثل هذه الدرجة .. كدت ألتصق في أمي و أنا أتراجع خطوتين إلى الوراء ..
و التي كانت هي الأخرى واقفة جامدة .. ترقب معي الموقف بصمت ..
كان هناك شرراً خفياً يتطاير من عيني عصام الغاضبتين . .
و هو يهتف صارخاً في وجه عمته ..
-" انصرفي يا عمتي رجاءا ً .. أنت و ابنتك .. و دعي والدي و شانه .. كفاه ما عانى منكما ..
فأنتما أعلم بسبب الأزمة القلبية الحادة التي طرأت على والدي

على حين غرة !!! "
و مع عنف عبارات عصام التهزيئية المبهمة و التي لم أستوعبها جيداً ..
و مع حدة لهجة عصام و التي لم آلفها من قبل ..
إلا أني لا أخفيكم سراً أن ابتسامة عز و انتصار قد زحفت على وجهي ..
و أنا أرى العمة و هي تلملم أطراف عباءتها .. و تنسحب مع ابنتها الدكتورة .. في شيء من الانكسار !!
" أيوووه يا سي عصام .. كذا تعجبني !!
الله يخليك إلي .. و تحميني و تدافع عني .. من كل الشرور !!
" و على أولة أم كلتوم .. ضمني بحنانك ضمني .. و أبعدني من الشرور ! "


أهديت عصام إحدى أحلى ابتساماتي ..
و لكأني بها أشكره على حسن تصرفه الدفاعي عن خطوبتنا . . و على ردعه و إيقافه لعمته عن حدها !
و مع ذلك فإن فضولاً مبهماً أثاره عصام فيّ بعبارته التي وجهها لعمته ..

و التي كانت تدور حول أن العمة أدرى بسبب أزمة أبيه القلبية !
يا ترى ..ماذا كان عصام يقصد بمثل هذه العبارة ؟!
هل تراه يقصد أن العمة بطريقة ما قد سببت جلطة قلبية لأبيه .. أم أن في الأمر سراً !!
" إيييييه .. يا خبر النهارده بفلوس .. بكره يبئى ببلاش !! "


وصلت إلى هذه المحطة من التفكير ..
عندما وصل إلي ّ صوت أمي مجددا ً و هو ينبهني إلى ضرورة الانصراف ..
فقد تأخر الوقت و انتهى وقت الزيارة ،
-" سأوصلها في طريقي إلى البيت .. يا عمتي ! "

انفرجت شفتي بابتسامة أخرى و أنا أسمع عرض عصام الرائع بتوصيلي ..
" أيييوه يا عم "
هكذا سأتمكن من الحديث مع عصام .. و هكذا سأخلو بعصام .. كحال أي خطيبين في الكون ! "