مولد الزعيم ونشأته

ولد في الشوير في أول آذار 1904. في الخامسة دخل مدرسة القرية فظهر تفوّقه الذهني. انتقل إلى مصر مع أمه وكان تفّوقه ونبوغه مدعاة للعجب، ولا عجب. بعد وفاة أمه عاد إلى مسقط رأسه الشويّر مع شقيقين وشقيقة، وثلاثتهم اصغر منه سناً. فدهمتهم الحرب، وأبوه مسافر في الأرجنتين، واخوته الأكبر منه: واحد في مصر، واثنان في الولايات المتحدة يتابعون دروسهم.
كان ابن عشر سنوات يتحمل مسؤولية شقيقين وشقيقة. وكان ذلك من حوافز تحمّله الآلام التي تحمّلها الشعب في تلك الحرب القاسية. ومما يرويه عنه الذين لا يزالون أحياء من الحرب العالمية الأولى إباءه وعزَّة نفسه، إلى جانب توقّد الذكاء فيه، مما جعله أحدوثة أهل بلدته على صغر سنِّه.


والده الدكتور خليل سعاده من الشويّر لبنان.
غادر الوطن تحت ضغط الأتراك العثمانيين إلى مصر.
في مصر نافح في طليعة المنافحين عن حقّ الشعب السوري.
نال لقب بك من خديوي مصر. رفض اللقب كلياً.
ألّف وكتب. وأهم ما وضع هو قاموس سعاده (إنكليزي عربي) كان قاعدة لكل ما جاء بعده.
ضايق الإنكليز فضايقوه. ترك مصر إلى أميركا الجنوبية. أنشأ مجلة "المجلة" في الأرجنتين. وانتقل إلى البرازيل حيث أنشأ جريدة "الجريدة" وكتب فيها مقالات وبحوثاً غيّرت تفكير السوريين، حتى لُقِّب "بأبي الأحرار".
كانت سلسلة مقالاته بعنوان "سورية وفرنسا أثناء مؤتمر الصلح" سبباً في حقد الاستعماريين عليه، فمُنعت كتاباته وأخباره من الوصول إلى الوطن. حمل على سياسة فيصل الضعيفة. وحمل حملة شديدة على الخونة المارقين. وذكرهم بأسمائهم وأفعالهم. عالج الشؤون السياسية معالجة دقيقة. وتكّهن بنتائج جاءت مصداقاً لبعد نظره في هذا الشأن. وهو أول من قال للغربيين: اتركوا آسيا للآسيويين قبل أن يطردوكم منها.
ترك مؤلفات وسلاسل بحوث في "المجلة" و "الجريدة" من أروعها سلسلة بعنوان طبائع الاستبداد.
توفي في العاشر من نيسان 1934. فنعاه أحد أدباء المهجر بلقب "أبي الأحرار" وقال فيه فيلسوف البرازيل سنسر فجريه: "إن البرازيل تحني هامها أمام الراحل الكبير الذي يفقده العالم".
منعت السلطات الاستعمارية نشر خبر وفاته في الوطن.
كما منعت دخول ما كُتب عنه.

والدته السيدة نايفة نصير (من الشوير).
هاجرت بها أمها إلى الولايات المتحدة وأدخلتها مدرسة في شيكاغو فأظهرت توقُّداً ذهنياً نوّهت به إحدى صحف المدينة الكبرى وأطرت نبوغها وتفوّقها. عادت إلى الشويّر فتعرّف بها الدكتور خليل سعاده وتزوجها. وتحمّلت معه آلام العمل للمصلحة العامة وما سببه من متاعب من قبل المستعمرين.
توفيت في مصر عام 1913 وكان الزعيم في سنّ التاسعة وكان الوالد قد رحل إلى أميركا الجنوبية.


دخل مع من دخل من الأحداث مدرسة برمّانا، وكان الأتراك قد استولوا عليها - على إدارتها جملة. وقد أظهر تفوّقاً في الرياضة إلى جانب تفوّقه في الدروس.
صدف أن أعلن مجيء أحد كبار موظفي المتصرفّية الأتراك إلى المدرسة. واستعدّت المدرسة لاستقباله. وكان أن انتقي التلميذ المتفِّوق أنطون خليل سعاده لحمل العلم في طليعة الصفوف. فأخذ العلم ورفعه لحظة ثم رمى به أرضاً وانطلق إلى غرفته. تبعه أحد القائمين على الإدارة في المدرسة واستطلعه سبب تصرّفه ذاك، فأجاب: "لست أرفع فوق رأسي علماً لدولة مستعمرة شرَّدت أهلي وأنزَلت بشعبي كل هذا الويل الذي ترى"! وكَظَم المولج غيظه وكتم الأمر فلا يصاب هو بالضرر.
حال إعلان سقوط الجيش التركي ارتقى السارية وأنزل العلم. ونادى زملاءه ليعطوه علم البلاد ليرفعه، ولم يكن للبلاد علم. فزاد في كآبته.

في هذا الظرف عرف الفتى أنطون الألم. تحسس آلام الشعب وقد روى عنه أترابه انه كان دائم التساؤل ما جرَّ على شعبنا هذا الويل؟ وفي هذه السنّ كان قد تفتّق ذهنه ووضح توقّد ذكائه وزاد تأمّله بمصير شعبه. وكان لا يفتأ يقارن بين مصير شعب مغلوب على أمره يشرَّد أحراره ويشنق أبراره، وبين مصير الأقوياء.
بعد الاحتلال (بعد أن احتل الأوروبيون أرضنا على أثر رحيل العثمانيين) عمل ترجماناً مع أحد كبار العاملين وكانت له معه وقائع أدهشت ذلك الكبير، وأبرزها حين كان على ظهر باخرة إيطالية. وهو في سنّ السادسة عشرة، وسمع أحد الضّباط الإيطاليين يقول: هذا البحر بحرنا أي البحر الروماني. فانبرى الفتى أنطون في نضال علمي يؤكد أن هذا البحر لنا: البحر السوري، مما أدهش السامعين لما وضعت الحرب أوزارها أرسل والده يطلب منه السفر إليه، فقرر السفر وتركْ عمله. وفي إحدى زياراته للدكتور "دراي" في عيادته في الجامعة الأميركانية لأخذ مبلغ من المال كان أودعه إياه، سمع حديثاً جارياً بين عدد من الرجال كانوا بانتظار دورهم في عيادة الدكتور "دراي" (طبيب أسنان) وكان الحديث حول احتلال الحلفاء ومصير سورية (لم يكن قد وُجد كيان لبنان السياسي بعد). وانقسم المتحادثون إلى فئتين، إحداهما ترى أفضلية الانتداب الفرنسي والأخرى تفضِّل الإنكليز واحتدم الجدل في أفضلية إحدى الدولتين. ولم يكن قد وضح بعد مخطط الاستعمار كما إن الوعي القومي كان شبه معدوم،
وكان كل فريق يطري محاسن الدولة التي يراها أفضل "لحمايتنا".
وعند احتدام الجدل قال أحدهم لنحتكم إلى هذا الفتى ونفضّ النزاع والتفت إلى الفتى أنطون وقال له "ما رأيك أنت أيها الشاب الصغير وأية دولة تفضّل ؟!" فأجاب الشاب الصغير: "ليس في الموضوع مجال للتفضيل فانتم جميعاً في غير دائرة الصواب". "كيف ذلك ؟".
"إنكم في مفاضلتكم بين بريطانيا وفرنسا نسيتم الأفضلية الوحيدة التي هي إرادتنا نحن كشعب لنا شخصيّة قوميّة، ولنا مؤهلات الاستقلال، بل التفّوق أيضا!"
فنهض رجل من بين الجميع وسأله عن اسمه واسم أبيه وبلدته. ولما أجاب انه أنطون ابن خليل سعاده من الشويّر، قدم له الرجل بطاقته قائلاً: "إني مستعد لأية خدمة تلزم"، وحدد له المكان والوقت، إذا طرأت حاجة. وكانت البطاقة تحمل اسم عمر الداعوق. وتحت الاسم كتب بقلم كوبياء - رئيس بلدية بيروت. (وقد نشرت إحدى الصحف حديثاً مع السيد عمر الداعوق يؤيّد صحة هذا الخبر).
كان هذا الحديث عام 1919. وفي عام 1920 سافر الزعيم واخوته إلى أميركا الشمالية (حيث كان كبير اخوته). وبعد حوالي السنة وافى والده إلى البرازيل حيث اشترك معه في تحرير "الجريدة".
ما كاد يمر سنة على وجوده في أسرة تحرير "الجريدة" حتى بدأ اسمه يدور على السنة الأدباء والمفكرين من مواطنين وبرازيليين. وظنّ العديدون أن ما يُكتَب بتوقيع أنطون سعاده هو من وضع والده المفكر الكبير.
ولكن الحقيقة ظهرت وشيكاً فإذا بالشاب "الصغير السّن، الحديث العهد بالأدب والسياسة" كما قال بعض هؤلاء يصبح أحد أقطاب الأدب والسياسة في أوساط المغتربين في الأميركيتين.
كان الزعيم وهو يشتغل في التحرير، يتابع درس قضية وطنه وأمته وتحررها من جميع العوامل اللاقوميّة.
وقد بدأ أول عمل مستقل بتأسيس جمعية سريّة في البرازيل عام 1924- 1925. وتخلّى عنها حين شذَّت عن القاعدة التي أرساها لها وأصبحت علنية تعرف باسم "جمعية الرابطة الوطنية السورية" مركزها سان باولو. وفي مخلّفات الزعيم مراسلات تدل على سبب تركه المؤسسة التي أنشأها ونزع أعضاؤها إلى العمل السطحي المعلن.
ومقالات الزعيم منذ عام 1921 في "الجريدة" ومراسلاته تلقِّم المتشدِّقين حجراً بان ما قام به كان اقتباساً عن حركات أوروبية، إذ إن عمله كان سابقاً لأية حركة عرفت في أوروبا في ما بعد.
ظلَّت قضَّية الأمة السوريّة والوطن السوري شاغل الزعيم رغم كل ما واجهه من صعوبة في العمل مع أبناء امتنا المغتربين. وظن أن في انضمامه إلى جمعية "البنّائين الأحرار" يجد مجالا للعمل القومي، وكان والده رئيساً لأحد محافلها. وسرعان ما أصبح سكرتيراً للمحفل. ولكن اصطدم مرة أخرى بنزوع الذين اصطفاهم للعمل إلى الشؤون الخاصة والأعمال السطحية الضجّاجة، فاستقال من المحفل وترك الجمعية بسبب انصراف أعضائها عن العمل المفروض على كل مواطن، ألا وهو العمل لمصلحة أمته ووطنه قبل أي شيء آخر.
قام الزعيم بأعمال وباتصالات كثيرة في المغترب محاولاً وضع أساس عقائدي قومي يلفّ حوله الذين يتكلمون كثيرا بالشؤون الوطنية. وكان قد شارك والده تحمّل الصدمات من الذين تقولبوا سريعاً في القالب الذي وضعه لهم الاستعمار. وقد لاقى اشدّ الآلام من رؤية بضعة من الذين طالما نادوا باستقلال سورية ينحدرون إلى التعّصب للكيانات المفعولة لقاء رضى المستعمر في فلسفة الانحطاط: "إن لم يكن ما تريد فأرد ما يكون".
كان الزعيم قد وضع خطط العمل حين لجَّ به الحنين إلى الوطن. وفي ما تبقى من مذكراته دليل على شدّة الدفع النفسي للعودة إلى ميدان الصراع الرئيسي في الوطن.
وفي شهر حزيران سنة 1930 حملته الباخرة جبّاراً مليئاً بالعزم إلى الوطن. وكانت أخبار الكتلة الوطنية قد ملأت أعمدةً عدة من صحف المغتربات فاستبشر خيراً. ومع أعضاء الكتلة الوطنية في دمشق بدأ اتصالاته. وبهذه الاتصالات زادت آلامه. فقد عرف كيف يتقن الساسة الألاعيب على الشعب وأحياناً كثيرة مع المستعمر لمصلحة المستعمر.

أما بالنسبة للفرنسيين فقد كان كافياً أن يكون ابن الدكتور خليل سعاده.
في الشام وضع بحثاً في القوميّة قدّمه إلى المجمع العلمي، فردّه الأستاذ محمد كرد علي وعليه ملاحظات تدل على بعد المجمع العلمي وقتذاك عن العلم، ولا سيما علم الاجتماع. وكتب مقالات في السياسة الخارجية في جريدة "الأيام" الدمشقية كانت فتحاً جديداً في الفكر والفن السياسيين. ولعل جوابه على خطاب "لويد جورج" البريطاني سيبقى القاعدة المثلى لذويّ الألباب في مدلول وحدة الشعب وحقّه الطبيعي في أرضه وتقرير مصيره.
عام واحد في دمشق كان كافياً لوضع تخطيط مصمم، هو عدم إمكان دفع حركة بعث في الامة، في أوساط أفسدتها السياسة وغرس فيها الاستعمار بذور التخاذل وعلّمها فن المناورة على الشعب، دون أن تضع له قاعدة وعي. فانتقل إلى بيروت.
"… بعد أن وضعت مبادئ القضية القومية التي هي مصدر جلاء الأفكار ووحدة العقيدة والاتجاه وأوقفت الاختلاطات السياسية الدينية في المسائل القومية من الوجهة النظرية شرعت في إيجاد الوسائل العملية لتحقيق القضية القومية. ولم تكن المهمة هيّنة في جوٍّ موبوء كجوّ الحالة المناقبيّة والأخلاقيّة السيئة التي أشرت إليها. ولكني وضعت قاعدة أساسية أتمشى عليها، وهي البحث عن العناصر الجديدة النظيفة وتعليمها المبادئ الجديدة وإفهامها قضية الأمة وتكوين حزب منها ينشأ بمعزل عن الاختلاطات المذكورة آنفاً نشأة صحيحة قوية بمعنوياتها، حميدة بمناقبها، سليمة بروحها صالحة لحمل أعباء القضية وقد توصَّلت بعد جهد إلى لمس قابلية ثلاثة أشخاص ... !
ولكني رأيت أن استعين بهذا العدد غير المتجانس على القيام بالاختبار الأول لتأسيس الحزب. وبعد قليل من السير انكشف لنا مراوغة واختلاطات سياسية بدلاً من الأخذ بملأ القضية ".
ورأى الزعيم أن يكون طرد المنحرفين بصورة حلّ الحزب. "فدعوت الجميع إلى اجتماع حضره الدجّالان وأبديت لهم رغبتي في تأجيل العمل الحزبي إلى أن أكون قد وجدت استعداداً وتفاهماً تامَّين بين الذين يرغبون في السير معي، وان عملنا قد انتهى وان كل واحد حرّ ..."
"أحببت أن اظهر هذه اللّمحة عن واقع إنشاء هذا الحزب العظيم وتوليد هذه النهضة القومية الجبَّارة لتدركوا مقدار الفساد الذي كان قد تغلغل في المعتقدات والمناقب والأخلاق في مجتمعنا. فمن أربعة أشخاص يجتمعون إلى صاحب الفكرة القوميّة اثنان يعتقدان إن القضيّة القوميّة ليست إلا وسيلة سياسية لبلوغ أغراض في نفسيهما ويجيزان لنفسيهما احتقار إخلاص رفيقيهما وسلامة طويتهما ويظنان إن المناقب والأخلاق ليست إلا صوراً شعرية وضعتها واعتمدتها لتوليد النهضة القوميّة …!"
كان مسكن عائلة خليل سعاده في الشويّر قد أصابه ما أصاب المنازل العديدة أيام الحرب العالمية الأولى: التهديم الكامل … وكانت قطعة الأرض مكان البناء قد ضُمَّت إلى أرض تخصّ الجيران.
ولهذا ولأسباب ماديّة - نفسيّة عمد إلى بناء "العرزال" على الرابية المطلة على البحر وجبال صنين في أرض تُركتْ إرثا له ولاخوته. الأسباب الماديّة كانت إن الزعيم كان يصرف كل قرش يحصِّله على شؤون الحركة، والنفسية إن بناء نفسيّة جديدة وعقليّة أخلاقيّة متجددة كان يحتاج مثل هذه الخلوة الرائعة.
ومما يذكر إن صاعقة أصابت إحدى الشجرات الخمس التي بني العرزال عليها، بُعَيد اغتيال الزعيم. أما الرفقاء فلا يزالون يجدّدون العرزال كل سنة فيكسونه بالأغصان الجديدة (اثر محاولة 1960 قطع رجال السلطة في لبنان الأشجار التي كان العرزال قائماً عليها واحرقوها لتوّهمهم إن إحراق العرزال هو من أعمال الانتقام الضرورية).

ان شاء الله تكون الأجابه صحيحه