الجزء (2) من الوهج النوري في تسمية بوري
نعم، ولا يقدح أو يجرح في معناها حالة النشاز الآن عن روح اللغة العربية إذ تشذ الأسماع وتنفر الطباع عن مثل هذا الكلام وذلك لنفور الكثير من المجتمع عن اللغة العربية وركونهم للهجة العامية وإن كانت العامية حاوية لعدة وفيرة من معانٍ عربية فصيحة صحيحة ذات مغزى ومعنى هما في القمة من البلاغة والبيان والبديع يعرفها أهل هذه الفنون.
لا يقدح هذا فيما قلناه وارتأيناه من الاسم ومعناه الذي قدمناه وبنّنا فيه الاكتناه. (ونستطرد فنقول فائدة خالدة)
وذلك لأن العقل الجمعي(3) لا سلطة له ولا حجة وخاصة بلحاظ وتأمل مقال آية الله حميد المبارك-حفظه الله تعالى وتبارك ومتعنا بنوره وحضوره-في أحد مجالس محرم الحرام إذ قال ما مؤداه ومعناه: العقل الجمعي يحدد العقل ويسجنه ويعطله ويعيقه عن التفكير الحر" وهذا هو نفس قول الملا صدر المتألهين عليه رحمة رب العالمين إذ يقول ما مضمونه: أن العقل وليد البيئة الجغرافية والاجتماعية التي يعيشها الفرد ولا يرقى للتوحيد العملي الذي هو غااية آمال العارفين إلا بكسر قيده وتحرير رقبته.
ومما يدعم رأينا هذا في سبب التسمية هو ما نجده عند غير واحدة من نسائنا في القرية جداتنا وعماتنا الكبار-آمنهم الله في دار القرار ومحل الأخيار ومجاورة الأبرار الأطهار من عترة طه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-كمهنة أو تسلية أو هواية على اختلاف المقام في خصف الخوص من النخلة (هذه الشجرة المباركة التي هي عمتنا نحن بني آدم على نبينا وآله وعليه السلام لأنها نزلت مع أبينا آدم عليه السلام من الجنة) وتصييره وتحويله سفرة طعام أو حاوية رطب وغيرها من منتجات يدوية. وهذا بحسب علم الإنسان بفرعه الاجتماعي والثقافي(4) عبارة عن ترسب وبقايا وآثار لتلك الصناعة وبالتالي لهذه التسمية "بوري" ومن باب تسمية الشيء بما يكثر فعله وبما يشتهر من وصفه.
إذن، هي اسم على مسمى، وقد ذكرها ووقف على أطلالها كعادة الشعراء شيخ شعراء البحرين وزين علماء الأئمة الطاهرين أبو البحر جعفر الخطي رحمه الله ورفعه مكاناً علياً في قصيدته الرائعة الذائعة المذكورة في ترجمته من كتاب "أعيان الشيعة" لآية الله السيد محسن الأمين عليه رحمة رب العالمين والتي مطلعها:
عج بالمطي على معالم بوري **** لمحل لذاتي وربع سروري
فلبوري معالم وآثار وأعيان.
ولا يفوتني ذكر رواية تثير الأحزان وتحرق الجنان سمعتها من أحد الخطباء(5) أن زين العباد السجاد عليه الصلاة والسلام لما أراد دفن جسد أبيه السبط الشهيد عليه الصلاة والسلام حمله على بورياء (يعني بوري فالبورياء لغة فيها كما مر سابقاً) من الخوص. واإماماه واشهيداه وامصيبتاه
وأقول لعله جاء بالبورياء من بني أسد( 6) (الذين رأت نساؤهم تلك الأجسام المقطعة الموزعة وجئن لرجالهم مستنهضات لدفنها ويقول المولى الأعلى الملا عطية الجمري طاب ثراه وكانت الجنة مثواه وباللهجة الدارجة وعلى لسان هاتيك النسوة الأسديات: قلت شيمكم والحمية يا مسلمين وين الذي يحضر يباري هالمطاعين) وهم ساكنو أطراف كربلاء والغاضريه والشفيه وقد ساعدوا الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام على دفن أولئك الكرام طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم.
وقد أجاد وساد وبلغ المراد الملا عطية الجمري فخر البلاد إذ يقول حاكياً هذه الحادثة:
الكافور تربه والغسل دمه الجـــــــاري
والكفن فصل له أبو محمد بـــــــــواري
والقبر قلب اخته الخذوها بجمل عـاري
وقلب الذي قضّى حياته في بـــــــــوكيه
والبواري جمع بوري وبورياء كما في "العين" للفراهيدي.
وله الحمد السرمد، والصلاة والسلام على رسوله محمد.
(1) لعل أصل قرية هو القرى بكسر القاف فيها أي الضيافة ومن المعروف عند العرب قديماً نار القرى بكسر القاف ويقول مصباح السداد الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام في مناجاة الراجين "ومن الذي التمس قراك فما قريته" ويشير إلى هذا المعنى ما ورد في سورة الكهف الآية 77 عن قصة الكليم والخضر عليهما السلام عندما استطعما أهل قرية ما فأبوا أن يضيفوهما.
(2) لقد عرضت ما وجدته من أبيات هذه القصيدة من كتاب "أعيان الشيعة" على أحد السادة العلماء والذي هو أحد الشعراء لضبط كلماتها نحوياً وصرفياً إذ إنها قد تكون عرضة للتصحيف الناتج بسبب النقل من مصدر قديم إلى جديد. وقد أبدى هذا السيد العالم الشاعر إعجابه لأكثر من مورد ومعنى صاغه الشاعر بأسلوب بليغ فريد من نوعه وجديد في فرعه.
(3) هو مصطلح عند علماء الاجتماع يُقصد به: اجتماع جماعة كبيرة على فكرة أو رأي ومجاراة الفرد الواحد من الأفراد لهذا الرأي وتلك الفكرة لا لصحتها أو لاقتناعه بها ولكن بفعل قوة المجموعة والجماعة وخشيته من تسقيطهم وإقصائهم وتشنيعهم ومعاتبتهم، فلا يفكر ويجمد على رأيهم.
(4) يسمى باللغة الإنجليزية social & cultural anthropology
(5) لعله على ما في البال، السيد محمد باقر الفالي أو السيد منير الخباز داما مؤيدَين مسددَين
(6 ) وقد هاجر بعض الأسديين إلى البحرين ولعل بوري وأهلها منهم أو لعل أهل بوري عرفوا صناعة النسيج من الخوص منهم .






رد مع اقتباس
المفضلات