الفصل الثالث

عملٌ , كدٌ , تعبٌ , شقاء ! .. من أجل محبوبتي طفلتي فاطمة , سأسعى واجتهد لأراك أمامي تكبرين.

نهض مبكراً لعمله , بعدما أودع طفلته عند مربية ( تيا ) لترعاها , إنها مربية جيدة ، تحنو على الأطفال وتحبهم ، إنها أم مثالية ، دقيقة في مواعيدها ، مرتبة ، تحب التنظيم وتسعى لأن يكون كل شيء من حولها كامل.

إنني حسب ظروفي التي أخبرتها ، وراتبي القليل الذي لا يسع أن يكفينا ، والمنزل المستأجر الذي في كل ستة أشهر أدفع له نصف راتبي , حنا قلبها عليَّ وعلى طفلتي , خصوصاً بعد موت والدتها لتصبح هي الأم في وقت غيابي , وأنني اعتذرت عن نصف وقتي في العمل لأرجع إلى ابنتي أضمها واقبلها والعب معها لأسليها.
فاطمة :
لقد تعب والدي , واصفر لون وجهه , وأراه يغفو ثم يستيقظ , ليشرب الماء بصورة غير طبيعة , إلا أنه نام ولم يستيقظ ! .. حتى أخذت أبكي وانتحب واضرب والدي , لعله يفتح عينه ليراني.

كان حضور جارتنا أم هاشم في الوقت عينه , لتسمع صراخ ومناجاتي من الخارج , تطرق الباب بطريقة همجية ! .. ملؤها الرعب والخوف ! .. لتدخل علينا دون أن يأذن لها أحد , ودون أن نستقبلها بكل ودَّ وحبور.

سقط ما في يدها من طعام أعدته لي ولوالدي , توجهت نحو والدي , أنها تريد أن تتحسس نبضه وتصرخ آه ..يا إلهي ! .. إن قلبه لا ينبض ! .. أخذت سماعة الهاتف و اتصلت بالمستشفى المركزي ليصلوا إلينا في دقائق , ولكن إي دقائق ! .. لقد مرت سنين وأنا أرى والدي صريع الأرض , ولا أستطيع فعل شيء , أدخلوا النقالة واجلسوا والدي عليها لتأخذني أم هاشم إلى منزلهم ودموعها تتساقط على خذيها كأنها أنهارٌ لا تتوقف ! ..

- يدق جرس الهاتف : رن .. رن .
- ترفعه أم هاشم : آلو

- أنت جارة محمد أبو فاطمة ؟

- نعم أنا هي.

إن محمدا مريض ! .. وأي مرضٍ هذا ! .. مرض سرطان الدم , وقد أخذ يأكل في جسمه شيئاً فشيئاً فأين أنتم عنه ؟ ولكني سأقول الحقيقة لم يبق من حياته إلا القليل ! .. فتزودوا منه عافاه الله , وليكن إيمانكم بالله قوي .. مع السلامة .

أم هاشم تنظر إلى فاطمة , إنها فتاة بريئة , زهرة في بداية ريعانها , ليعاملها القدر بأشد أنواع العذاب ! .. يأخذ منها أمها ومن ثم أباها , ولم يبق لهذه الطفلة أحد .

نعم ! .. أنا أريد تربيتها , فإن أمها خديجة كانت صديقتي , و رفيقة عمري منذ الصغر , ولكن ماذا سأقول لأبي هاشم ! .. وأي عذر أعتذر به , وأي حجة هي هذه , إنه لا يحب الأطفال وصراخهم واحتياجاتهم , إنه لا يحب أولاده ! .. فما بال هذه الصغيرة , هل يا ترى سيحبها ؟ أو يحنو قلبه عليها ؟ بعدما أغلقت هذه الدنيا الأبواب في وجهها , إنها فتاة في الحادية عشر من عمرها , ولكنها لا تدرك الحياة ولا تعرف منها شيء .
فاطمة عزيزتي أن أباك مريض وسوف يرحل مع أمك
تنظر إلي فاغرة فاها , محدقة عينها بي ، إنها لا تعرف ماذا أقول لها ؟ إنها لا تفهم , أنها لم تعرف أمها , ولم تتعرف جيداً على أباها , وتمضي وقتها مع مربيتها ( تيا ) , ويأتي أباها وقد حان موعد نومها فتصعد إلى غرفتها لتنام ، أن فاطمة لا تبكي أباها وأمها إنها طفلة لم تعرف معنى الموت , ولن تعرف معناه إلا إذا كبرت وأصبحت فتاة راشدة تعرف نسبها وأصلها .

صوت أبا هاشم قريب من الباب الخارجي , إنه سيدخل البيت , فتح الباب صعد غرفته غيَّر ملابسه ليلبس البيجاما , لينزل مسرعاً أم هاشم العشاء ..العشاء ..أنا جائع جداً .. جاءت أم هاشم تهرول في مشيتها لتضع له بيضاً وخبزاً وحليباً بالإضافة إلى فاكهة بشتى أنواعها .
تقول له : تفضل ، يأكل بنهم شديد , لم تشاهده هكذا من قبل , إنه يتكلم معها عن موقف حدث له اليوم , ليراها سارحة الفكر , وقد تاهت عينها في خيالها , ربَّت على ظهرها لتنتبه من حلم اليقظة , لتقول له : أبا هاشم سأقول لك شيء ! .. ولكن أريدك أن تفهمني كأم حنونة على أولادها , ليقول : ماذا هناك ؟ ماذا فعلت ؟ أخبريني بسرعة .

لتجاوب فاطمة بنت محمد جارنا التي ماتت والدتها , لقد سقط والدها اليوم مغشياً عليه , ونقلوه إلى المستشفى , ليكتشفوا إنه مريض بسرطان الدم , ولم يبق له شيءٌ من حياته , إنه يموت موتاً بطيئاً , وأنا أخذت طفلته فاطمة أريد أن أربيها في أحضاني بعد أن فقدت والديها فما رأي.....

ليَّرد عليها والنار في عينه ماذا ! .. تربينها ! .. هذا ما كان ينقصني , أطفالٌ غير أطفالي ، أطفالي الذين طالما تمنيت أن يكبروا بسرعة , فأني لا أطيق صراخهم و متطلباتهم ، الليلة فقط يا أم هاشم الليلة فقط , وأخرجيها من البيت في الصباح الباكر , لتبحث هي عن مسكن لها , ولا ترمي نفسها علينا ، أناسٌ ليس لديهم كرامة ولا عزة نفس.

ينهض وقد أخذ له الشيطان مكاناً في جسده ! .. يصرخ بشدة ويكسر الأشياء , ليصعد إلى غرفته ويقول : لا أريد أحداً أن يزعجني حتى أنت يا أم هاشم , الليلة ستنامين في الصالة حيث تنام هذه الطفلة ..ها ها ها .. صفع الباب بقوة من خلفه . لتبكي هي من شدة كلامه , إنه إنسان لا يشعر ولا يحس , إنه يضربني في يوم غضبه ولا يتأسف , ولا يندم , ولكن لم يبق في يدي من حيله ! .. أنا لا أريده أن يضربني مرة أخرى على حساب فتاة لا أعرف إلا أمها , ولكني مع هذا لن أخسر زوجي وغداً يا فاطمة أنت خارج البيت .