(3) إبـراهيم وتـرى
(مالكي/ ساحل العاج)




ولد بقرية " سوكو " التابعة لمدينة " بوندوكو " في ساحل العاج(1) عام 1980م، من عائلة تعتنق المذهب المالكي.
تشرّف باعتناق مذهب أهل البيت(عليهم السلام) عام 1993م في بلاده، بعد أن تجلت له الحقائق من خلال البحث والتتبع.

بداية الالتفات إلى الحقيقة:
يقول ابراهيم: " لازلت أتذكر ذلك اليوم الذي طرق سمعي فيه كلمة الشيعة، إذ كنت أنذاك طالباً في مدرسة التربية والتعليم الإسلامي، وكنت أحبّ مادة التاريخ، وفي أحد الأيام كان الدرس يرتبط بالعهد الأُموي، فتطرّق الأستاذ في الدرس حول أهم الأحداث التي وقعت خلال فترة حكم الأمويين، ومنها واقعة الطفّ! فأشار الأستاذ بشكل عابر إلى مجريات واقعة الطفّ، وذكر أنّ الخليفة يزيد بن معاوية قتل الحسين(عليه السلام) وأهل بيته بصورة فجيعة وبادر إلى إبادة الشيعة في هذه الواقعة، ثم أشار الأستاذ إلى بعض الأفعال المروّعة التي ارتكبها معسكر يزيد ضدّ الحسين(عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه.

التعرف على الشيعة:
فتأثرت من أعماق كياني بواقعة الطفّ الدامية التي كان ضحيتها ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، وتداعى في ذهني كيف تجرأ يزيد بارتكاب هذه الأفعال الشنيعة وهو الخليفة يوم ذاك!
ثم وقع تساؤل في نفسي: ياترى من هم الشيعة الذين ذكرهم الأستاذ وقال: إنّ يزيد أبادهم؟ وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)؟
فلما أنتهى الدرس توجهت إلى الأستاذ لأستفسر منه حول الشيعة الذين ذكرهم، فقلت له: من هم هؤلاء وماهي صلتهم بالحسين(عليه السلام)، ولماذا أمر الخليفة يزيد بقتلهم وقتل ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟
فأجابني الأستاذ: إنّ الشيعة طائفة إسلامية تعتقد بإمامة عليّ بن أبي طالب وولده، وتقول بأنّه الأحق بالخلافة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ لهؤلاء معتقدات تغاير ما عليه المسلمون وهي عقائد ضالة ومنحرفة، وهم أناس خرافيون لا يستندون إلى دليل منطقي أو برهان عقلي فيما يذهبون إليه.
ثم أضاف الأستاذ قائلاً: ويمكن تمييز هؤلاء عن غيرهم بكيفية أدائهم للصلاة، فهم يسجدون على التربة، ثم قال لي: ويمكنك للمزيد من التعرف عليهم أن تذهب إلى (آدم وترى) لأنّه أصبح منهم وانتمى إلى التشيع، فأحبذ أن تلتقي به لتجد الانحراف الفكري عنده بصورة مباشرة وتلمس أفكاره الضالة بوضوح.
____________
1- ساحل العاج: تقع في الجزء الغربي من أفريقيا وتطل على المحيط الأطلسي، يبلغ عدد سكانها قرابة (18) مليون نسمة، تتجاوز نسبة المسلمين 50%، أغلبهم من أتباع المذهب المالكي، أمّا الشيعة فيوجد عدّة آلاف من أهل البلد إضافة إلى عشرات الآلاف من المهاجرين.
========================
المفاجأة باستبصار أحد أقربائي:
استغربت من كلام الأستاذ عندما أنبأني بأنّ آدم قد انتمى إلى التشيع!، فقلت في نفسي: إنّه خير من أستفسر منه حقيقة هؤلاء الناس الذين لا قوا ما لاقوا يوم عاشوراء.
فقصدته وأخبرته بما جرى بيني وبين أستاذي حول واقعة الطفّ، وطلبت منه أن يبيّن لي ما عنده ويذكر لي أسباب انتمائه لهؤلاء الناس؟، فقبل مني ذلك واتفقنا معاً على موعد معيّن لنتحدث في هذا الموضوع.
وفي الموعد المقرّر، بدأ الأخ آدم الحديث قائلا: إنّ الأحداث التي تلت وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة، ويحتار الباحث في تعيين الانطلاقة في البحث.
فقلت له: الأفضل أن نشرع من البداية كي تتضح الأمور، فبدأ آدم بالحديث عن مرض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وتجرؤ بعض الصحابة عليه واتهامهم له (صلى الله عليه وآله وسلم)بالهجر والهذيان، وما جرى بعد وفاة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من أحداث في السقيفة، وانتهاك القوم لحرمة بيت فاطمة(عليها السلام) و...، ثم تدرّج في الأحداث التي وقعت بعد تولي يزيد لأمر الخلافة ".

شخصية يزيد بن معاوية:
إنّ شخصية يزيد معروفة وواضحة لمن له أدنى مراجعة لكتب التاريخ، لأنّ الإنسان مخبوء تحت لسانه، والأقوال المنقولة عن لسان يزيد تكشف بوضوح حقيقة أمره، كما أنّ يزيد لم يكن من أمثال المنافقين ليخفي سريرته، بل كان يجهر بالفسق والفجور قولاً وعملاً منذ نشأته حتى تنصيبه للخلافة، وورد أنّه قال بعد موت أبيه معاوية وافضاء الأمر إليه: " قد وليت الأمر بعده، ولست أعتذر عن جهل، ولا أشتغل بطلب علم "(1).
فهو يقرّ بعنجهيته ولهوه وجهله، ويفرض على أُمة الإسلام وجوده ويهدّد من يخالفه بالإرهاب والقتل، ولم يكن ما صدر من يزيد إلاّ لأنّ الترف باعد بيّنه وبين الدين، فجعله شخصية دكتاتورية لا يهمها سوى اشباع غرائزها وتحقيق نزواتها مهما كلف الأمر.
كما أنّ معاوية كان قد مهّد له الأجواء والأرضية ليعبث بها كيف ما شاء، فاستغل يزيد هذا الأمر وارتكب ما تهواه نفسه، فكان يزيد يفتقد الحدّ الأدنى من المقومات التي تجعله مؤهلاً لمنصب الخلافة، بحيث أقرّ بذلك الدعي زياد بن أبيه ـ وهو من عُرف ببغيه وسوء سريرته ـ وكتب إلى معاوية بشأن البيعة ليزيد: " ويزيد صاحب رَسْلَة وتهاون، مع ما قد أولع به من الصيد "(2)، ويزيد معروفاً بالتهوّر وعدم الاتزان، حيث قال عنه البلاذري: " لا يهم بشيء إلاّ ركبه "(3).
وبمراجعة ما ذكره المؤرخون عن مقاطع حياته تنكشف بوضوح شخصية يزيد المستهترة، ويعود السبب الكبير في ضعف صلة يزيد بالدين هو ترعّرعه ـ كما يسأتي في الأجواء المسيحية التي نشأ فيها ـ وهذه الأجواء هي التي جعلته عاجزاً عن النفاق والتظاهر بالورع والتقوى، والتلبس بلباس الدين، وجعلته مجاهراً بارتكاب المحرمات واقتراف الآثام(4).

____________
1- أنظر: مروج الذهب للمسعودي: 3 / 65، العقد الفريد لابن عبد ربه: 5 / 124، البداية والنهاية لابن كثير: 8 / 99.
2- أنظر: تاريخ الطبري: 5 / 302، تاريخ ابن عساكر: 38 / 212. 3- أنساب الأشراف: 5 / 299.
4- أنظر: تاريخ العرب لفيليب حتي: 2 / 258، سمو المعنى في سمو الذات لعبد الله العلايلي: 59 ـ 61، الدولة العربية وسقوطها لولهاوزن: 137 ـ 138، تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان: 129، رسائل الجاحظ: 3 / 72.
============================
وكان الإمام الحسين(عليه السلام) يعلم أنّ تولي يزيد للخلافة سوف يؤدي إلى اضمحلال الدين، وتفشي الضلال في أوساط الأمة، فلهذا كتب إلى معاوية جواباً على رسالته ووصف فيها يزيد بدقة وبصراحة: "... وفهمت ما ذكرت عن يزيد، من اكتماله وسياسته لأمة محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، تريد أن توهم الناس في يزيد! كأنّك تصف محجوباً، أو تنعت غائباً، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دلّ يزيد من نفسه على موضع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف، وضرب الملاهي تجده باصراً "(1).
ولكن معاوية كان يريد أن يحول الخلافة إلى ملكيّة فلم يبالي بما قيل له، بل حاول تمهيد أرضية الحكم لإبنه وبذل قصارى جهده لتحقيق ذلك، حتى وصل به الحدّ أن أمر بوضع أحاديث تروّض الناس على الخضوع والذل، وترسّخ عقيدة الجبر في أوساط الأمة، ليؤهل بذلك الأرضية لرضوخها في قبول إبنه كخليفة لله يجب السكوت على تصرفاته مهما كانت، كما في حديث: " من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه، فإنّه من فارق الجماعة شبراً، فمات إلاّ مات ميتة جاهلية "(2).
وكان هذا الاسلوب إحدى طرق التضليل الديني الذي ابتدعه معاوية لتثبيت ملكه وملك بني أُمية! حيث قال له يزيد بعد أن تمّت له البيعة بولاية العهد: " والله ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا؟! فقال له معاوية: كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته "(3).

____________
1- أنظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 208.
2- أنظر: صحيح البخاري: 6 / 2588 (6646)، صحيح مسلم: 3 / 1477 (1849).
3- أنظر: الكامل للمبرد: 2 / 636.
=======================
جرائم يزيد بن معاوية:
عند تولي يزيد الخلافة لم يجد الإمام الحسين(عليه السلام) بدّاً من رفض بيعته وتوعيت الناس وتنبيههم بالخطر الذي كان يهدّد جذور الإسلام، فقال (عليه السلام) لمّا بلغه ذلك: " وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأُمة براع مثل يزيد "(1).
فقابله يزيد بعنف حتى حدثت مجزرة كربلاء الرهيبة، فذبح الحسين(عليه السلام)وقتل آل رسول الله(عليهم السلام)ومن شايعهم، ومثّل بهم أبشع تمثيل، وسبيت نساءهم وذراريهم، ونهب رحلهم، ثم لم يكتف يزيد بهذه الجريمة، بل أمر بالهجوم على مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لمعارضتهم لحكمه، فاستباحها وقتل أهلها وهتك الأعراض فيها، فافتض عساكره في هذه الواقعة ألف بكر! وقتل الآلاف من المسلمين فيهم جمع من الصحابة!، وجريمته المنكرة هدمه للكعبة المشرفة وحرقها وترويع أهل الحرم المكي!!، وكل هذا ذكره المؤرخون وأصحاب السير وغيرهم.
وقد ذكر المؤرخ الأُموي ابن عبد ربه الأَندلسي أخبار عجيبة، ومثالب كثيرة، من شربه الخمر، وقتل ابن الرسول، ولعن الوصي، وهدم البيت وإحراقه، وسفك الدماء، والفسق والفجور، وغير ذلك مما قد ورد فيه الوعيد باليأس من غفرانه، كوروده فيمن جحد توحيده وخالف رسله(2).
كما أنّ يزيد بن معاوية اعتمد في ارتكابه لهذه الجرائم على أعوان لايؤمنون بشيء من القيم الإنسانية، بل كانوا مزيجاً من المسوخ البشرية وذوي العاهات النفسية الغريبة التركيب، فكانوا يمتلكون نفوساً مليئة بالحقد والتدمير للأمة الإسلامية ورموزها المقدسة.
فكان من هؤلاء: مستشاره ونديمه المرافق له كظله (سرجون النصراني) الذي لعب دوراً هدّاماً في الكيان الإسلامي، فقرّبه يزيد ومنحه المكانة العالية وبسط يده في الدولة، لأنّ يزيد عاش فترة طفولته وشبابه المبكر مع أُمه ميسون وأخواله بني كلب النصارى; وكان من شعراء يزيد (الأخطل) وهو نصراني لئيم أيضاً، تمادى في هجوه للأنصار! ولم يكتف يزيد بذلك، بل عهد بتربية أحد أبنائه إلى مرّب نصراني!.
واعتمد أيضاً على الأدعياء وأبناء الأدعياء، كـ (عبيد الله بن زياد) المعروف ببغضه لآل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم، والمشهور بفتكه وقسوته، كما اعتمد على (عمر بن سعد بن أبي وقاص) المعروف بطمعه وحبّه للمناصب، وهو الذي وجّه لحرب الحسين(عليه السلام)، وكان أوّل من شنّ الحرب في أرض كربلاء ضدّ الإمام الحسين(عليه السلام) ليرضي بذلك ابن زياد فيوليه بلاد الري وجرجان، فرمى بسهم نحو معسكر أبي عبد الله(عليه السلام) وقال: " اشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى، ثم رمى الناس "(1)!
واعتمد يزيد على الخارجي (شمر بن ذي الجوشن) الذي عرف عنه النَصب والعداوة لآل عليّ(عليه السلام)، تلك العداوة التي جسدها بكل خسة عند توليه لذبح سيد الشهداء(عليه السلام)!
وغير هؤلاء كثير، فكانت تصرفاتهم مطابقة لتصرفات يزيد بحيث غلب على أصحابه وعماله ما كان يفعله من الفسوق، وفي أيامه ظهر الغناء بمكة والمدينة، واستعملت الملاهي، وأظهر الناس شرب الشراب!.

____________
1- أنظر: الملهوف لابن طاووس: 99.
2- أنظر: العقد الفريد: 5 / 124 ـ 140.
3- أنظر: الخطط للمقريزي: 2 / 287.
===========================
>>>>>>>>>>>>>>>>يتبع
</SPAN>