الطّاهِرَة
لقد مرّ عليك أن من جملة أسمائها (عليها السلام) هي الطاهرة، وأحسن ما نبحث فيه حول هذا الموضوع هي آية التطهير، وهي قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). إن هذه الآية الكريمة تعتبر في طليعة الآيات ذات الأهمية الكبرى، وذلك لعظم معناها ومغزاها، لأنها منبع فضائل أهل البيت النبوي لاشتمالها على أمور عظيمة وقد كثرت الأقوال، وجالت الأقلام حول هذه الآية.
ولعل من الصحيح أن نقول: إن آية التطهير معترك الآراء المتضاربة والأقوال المختلفة، وخاصة حول كلمة: (أهل البيت) والمقصود منهم، ومدى شمول هذه الكلمة.
والأمر الذي لا شك فيه أن آية التطهير تشمل الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قطعاً، وبإجماع المفسرين والمحدِّثين من الشيعة والسنَّة، إلاَّ من شدَّ وندر.
إذ أن جميع الأحاديث الواردة حول نزول هذه الآية متفقة على شمولها لعليٍ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) بالقدر المتيقن.
وإن كان هناك قول يشعر بشمولها لزوجات النبي (صلى الله عليه وآله) اعتماداً على ظاهر لفظ (أهل البيت) أو سياق الآية التي سبقتها ولحقتها خطابات لزوجات النبي، فإن جميع الأحاديث تصرّح بأن النبي لم يسمح حتى لزوجته السيدة أم سلمة أن تدخل تحت الكساء قبل نزول آية التطهير.
وقد ذكرنا الشيء اليسير - مما يتعلق بالآية - في كتاب (علي من المهد إلى اللحد) ونذكر هنا بعض الأحاديث ومصادرها من كتب علماء السُّنة، رعاية لأسلوب الكتاب وتتميماً للفائدة، وينبغي أن نعلم أن الذين رووا نزول أية التطهير في حق علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) يعسر إحصاؤهم، ولعلهم يتجاوزون المئات.
ولو أردنا استعراض أقوال المفسرين والمحدثين حول الآية لطال بنا الكلام، وخرج الكتاب عن أسلوبه، ولكننا نذكر هنا عشرين مصدراً من مشاهير مؤلفات علماء العامة وحفّاظهم ومفسريهم ومحدّثيهم، وفي ذلك كفاية لكل منصف:
1 - الخطيب البغدادي في تاريخه (ج10) بإسناده عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) قال: جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم أدار عليهم الكساء فقال: هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وأم سلمة على الباب فقالت: يا رسول الله ألست منهم؟ فقال: إنك لعلى خير أو: إلى خير.
2 - الزمخشري في تفسيره (الكشاف ج1 ص193).
روى عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج وعليه مرط مرجَّل من شعر أسود موشى منقوش، فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءَت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).
3 - الإمام الرازي في تفسيره (ج2 ص700 طبع الأستانة).
روى أنه (عليه السلام) لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: إنما يريد الله..الخ.
4 - ابن الأثير الجزري في كتابه: (أسد الغابة في معرفة الصحابة ج2 ص12): عن عمر بن أبي سلمة (ربيب النبي (صلى الله عليه وآله)) قال: لما نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله): (إنما يريد الله.. ) في بيت أم سلمة فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة وحسناً وحسيناً فجللّهم بكساءٍ وعليّ خلف ظهره ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: أنتِ على مكانك، أنت في خير.
5 - سبط ابن الجوزي في (تذكرة الأئمة ص244) عن واثلة بن الأسقع قال: أتيت فاطمة (عليها السلام) أسألها عن علي فقالت: توجَّهَ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). فجلست أنتظره فإذا برسول الله قد أقبل ومعه علي والحسن والحسين، قد أخذ بيد كل واحدٍ منهم حتى دخل الحجرة فأجلس الحسن على فخذه اليمنى، والحسين على فخذه اليسرى، وأجلس علياً وفاطمة بين يديه ثم لفَّ عليهم كساه أو ثوبه ثم قرأ: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت..) ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي حقاً.
6 - الإمام الواحدي في كتابه: (أسباب النزول) بسنده إلى أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) ذكرت أن رسول الله كان في بيتها، فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه فقال لها: ادعي لي زوجك وابنيك، قال: فجاء علي الحسن والحسين فدخلوا، فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة، وهو على دكان(7). وتحته كساء خيبري قالت: وأنا في الحجرة أصلّي، فأنزل الله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)؛ قال: فأخذ فضلَ الكساء فغشّاهم به، ثم أخرج يديه فأَلوى بهما إلى السماء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: أنا معكم يا رسول الله؟ قال: آئل إلى خير، آئل إلى خير.
ونقل الترمذي في صحيحه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من وقت نزول هذه الآية إلى قريب ستة أشهر إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة يقول: الصلاة أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس.. الخ.
7 - ابن الصباغ المالكي في كتابه: (الفصول المهمة ص7) يروي عن الواحدي قريباً من الحديث الذي مرّ، وذيّله بقوله: وقال بعضهم في ذلك شعراً:
إن النبـــــــي ووصــــيّه وابنــيه وابنــــــته البــــــتـول الطــاهـــرة
أهل العـــــباء فإنــــني بولائهــم أرجو السلامة والنجاة في الآخرة
8 - أبو بكر السيوطي في كتابه: (الدر المنثور ج5 ص198) و(الخصائص الكبرى ج2 ص 264) و(الإتقان ج2 ص200) روى هذا الحديث بطرق كثيرة، متعددة الأسانيد تنتهي أسانيدها إلى كل من أم سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم وابن عباس، والضحاك بن مزاحم، وأبي الحمراء وعمر بن أبي سلمة وغيرهم:
إن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا فاطمة وعلياً وحسناً وحسيناً. لمّا نزلت: إنما يريد الله، فجلّلهم بكساء وقال: والله هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
9 - الطبري في (ذخائر العقبى ص21): روى عن عمر بن أبي سلمة نزول الآية في الخمسة الطيبة، وروى عن أم سلمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ ثوباً وجلّله فاطمة وعلي والحسن والحسين وهو معهم، وقرأ هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً). قالت: فجئت أدخل معهم فقال: مكانك إنك على خير.
وعنها أيضاً: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة: ائتي بزوجك وابنيك. فجاءت بهم وأَكفأ عليهم كساء فدكياً، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: اللهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إنك على خير.
10 - محمد بن أحمد القرطبي في كتابه: (الجامع لأحكام القرآن ج14 ص182) روى نزول الآية في حق أهل البيت (عليهم السلام).
11 - ابن العربي في كتابه: (أحكام القرآن ج2 ص166).
12 - ابن عبد البر الأندلسي في كتابه: (الاستيعاب ج2 ص460).
13 - البيهقي في كتابه: (السنن الكبرى ج2 ص149).
14 - الحاكم النيسابوري في كتابه: (المستدرك على الصحيحين ج2 ص416) روى عن أم سلمة قريباً ممّا تقدَّم.. إلى أن قالت: فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم هؤلاء أهل بيتي قالت أم سلمة: يا رسول الله ما أنا من أهل البيت؟ قال: إنك أهلي إلى خير، وهؤلاء أهل بيتي.. الخ.
15 - الإمام أحمد بن حنبل في (مسند ج1 ص 331).
16 - النسائي في كتابه: (الخصائص ص4).
17 - محمد بن جرير الطبري في تفسيره (ج22 ص5).
18 - الخوارزمي في: (كتاب المناقب ص35).
19 - الهيثمي في: (مجمع الزوائد 9 ص166).
20 - ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة ص 85).





رد مع اقتباس
المفضلات