يتبع
بقي أن نتساءل ويحق لنا أن نتساءل: لماذا يطلّق الرسول (صلى الله عليه وآله) هاتين المرأتين البريئتين واللّتين ذهبتا ضحية مكر وخداع عائشة لهنّ؟

وقبل كل شيء لابدّ لنا أن نضع في حسابنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) معصوم ولا يظلم أحداً ولا يفعل إلاّ الحق فلا بدّ أن يكون في تطليقهنّ حكمة يعلمها الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) كما إن عدم تطليق عائشة رغم أفعالها فيه أيضاً حكمة، ولعلّنا نقف على شيء منها في الأبحاث المقبلة.

أما بالنسبة للمرأة الأولى وهي أسماء بنت النعمان فقد ظهرت سذاجتها عندما انطلت عليها حيلة عائشة فأول كلمة قابلت بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما مدّ يده إليها هي: «أعوذ بالله منك». ورغم جمالها البارع فلم يبقها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبلاهتها يقول ابن سعد في طبقاته في: 8/145 وغيره عن ابن عبّاس: قال: «تزوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسماء بنت النعمان وكانت من أجمل أهل زمانها وأتمّه». ولعلّه (صلى الله عليه وآله)؟ أراد أن يعلّمنا أنّ رجاحة العقل أولى من الجمال. فكم من امرأة جميلة جرّها غباؤها للفاحشة.

أمّا بالنسبة للمرأة الثانية وهي مليكة بنت كعب والتي عيّرتها عائشة بأن زوجها هو قاتل أبيها، فلم يرد النبي (صلى الله عليه وآله) أن تعيش هذه المسكينة (والتي هي صغيرة السنّ ولا رأي لها كما شهد بذلك قومها) على هواجس ومخاوف قد تُسبّب مصائب كبرى خصوصاً وأنّ عائشة سوف لن تتركها ترتاح مع رسول الله (صلى الله عليه وآله). ولا شك أنّ هناك أسباباً أخرى يعلمها رسول الله وغابت عنّا.

والمهم أن نعرف بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يجري وراء الجمال والشهوات الجسدية والجنسية كما يتوهّمه بعض الجاهلين وبعض المستشرقين الذين يقولون كان همّ محمّد هو النساء الحسناوات.

وقد رأينا كيف طلّق رسول الله (صلى الله عليه وآله) هاتين المرأتين رغم صغرهما وجمالهما فكانتا أجمل أهل زمانهما وأتمّه كما جاء

في كتب التاريخ وكتب الحديث ـ فقول من يدّعي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحبّ عائشة لصغرها وجمالها مردود ولا يقبل.

أمّا القائلين بان حبّه إيّاها لأنها إبنة أبي بكر، فهذا غير صحيح، ولكن يمكننا أن نقول بأنّه تزوّجها من أجل أبي بكر، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوّج من عدّة قبائل زواجاً سيّاسياً لتأليف القلوب ولتسُود المودة والرحمة في تلك القبائل بدلاً من التنافر والتّباغض فقد تزوّج النبي (صلى الله عليه وآله) بأمّ حبيبة أخت معاوية وهي بنت أبي سفيان العدوّ الأول للنبيّ (صلى الله عليه وآله) وذلك لأنّه لا يحقد وهو رحمة للعالمين، وقد تعدّى عطفه وحنانه القبائل العربية إلى مصاهرة اليهود والنصارى والأقباط ليقرّب أهل الأديان بعضهم من بعض.

وبالخصوص إذا عرفنا من خلال ما نقرأه في كتب السّيرة بأنّ أبا بكر هو الذي طلب من النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأن يتزوج من ابنته عائشة، كما طلب عمر من النبي (صلى الله عليه وآله) بأن يتزوج إنته حفصة، وقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن قلبه يسع أهل الأرض كلّهم.

قال تعالى: «ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك» [سورة آل عمران: الآية 159].

وإذا رجعنا إلى الرواية التي روتها عائشة وقالت فيها بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه، عرفنا كذب الزعم بأنه (صلى الله عليه وآله) لا يصبر عنها (24).

وهذا الاستنتاج ليس استنتاجاً عفوياً ألّفه خيالي، كلاّ فإنّ له أدلّة في صحاح السنّة، فقد روى مسلم في صحيحه وغيره من صحاح أهل السنّة، أنّ عمر بن الخطاب قال: لمّا اعتزل نبي الله (صلى الله عليه وآله) نساءه قال دخلت المسجد فإذا النّاس ينكتون بالحصى ويقولون طلّق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نساءه وذلك قبل أن يؤمرن بالحجاب، فقال عمر: فقلت لأعلمنّ ذلك اليوم قال: فدخلت على عائشة فقلت: يا بنت أبي بكر أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالت: مالي ومالك يا ابن الخطاب عليك بعيبتك! قال: فدخلت على حفصة بنت عمر فقلت لها: يا حفصة أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والله لقد علمت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يحبّك، ولولا أنا لطلّقك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبكت أشدّ البكاء… الحديث (25).