القسم الثاني :

التـوحيد الإلهي وآثاره في النفــس الإنســــــــــــــــانية:

أن من عظمة الله سبحانه اتصافه بالقدرة والإحاطة على جميع الأشياء ، فالله تعالى هو فالق الحب والنوى ، ومخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ، وهو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها ، وهو الذي بثّ من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض ، وهو صاحب كل شيء، و له في هذا الكون آية تدل على أنه واحد ، و تدعو إلى توحيده سبحانه. والتوحيد هو المدخل الأساسي للدين وأصوله ، فلا يمكن للإنسان أن يكون مؤمناً ما لم يكن موحداً ، والتوحيد ليس كلمة يرددها الإنسان بلسانه بل هي ترديد من القلب ، ويعني ذلك إن الإنسان لا يجد غير الله رباً ولا غير طريق الله طريقاً، وهو إقرار بذاته وصفاته وأفعاله ، والاعتراف المطلق بعبوديته له سبحانه ، فينعكس ذلك على أخلاقه وسلوكه ، و يجعله دائم السعي نحو التغيير ، وهذا السعي المستمر يمنح الإنسان القوة والحصانة من الانحراف ، ويدفعه للعمل الجاد في الاتجاه الإيجابي والطمأنينة والثبات في حياته كما في قوله تعالى :

(( ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) ( الرعد) .

وحينما يعيش الإنسان المفهوم العملي للتوحيد في كل ذرة من ذرات وجوده يتحول إلى كيان طاهر لا تلوثه الحياة المادية ، ولا يستطع الشيطان أن يغزو قلبه بمفاهيم الشرك أو يتجاوز على مشاعره التوحيدية ، ويكون دائم الذكر كما في دعاء الإمام الحسين (ع) : (اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك وأسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك).

ويسعى دائما إلى تحويل مفهوم التوحيد إلى ممارسة عملية على الصعيدين الفردي والاجتماعي.. فحينما لا يستطيع الإنسان أن يجسد المفهوم العملي للتوحيد يكون بذلك قد أحدث خللاً في داخل النفس الإنسانية ، وصدّع أواصر العلاقة بينه وبين الله ، ودنس طهارة قلبه بالشرك المعنوي و تعدى على فطرته الإنسانية (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)) ( يوسف 105) .

وحينما يحصل التباعد يتحول الإنسان المسلم إلى كيان مفلس من الناحية المعنوية في الدنيا والآخرة ، و يكون تفكيره وسلوكه خالياً من القيم الإنسانية التي أوصى بها الرب سبحانه ، و لو تحرك اجتماعياً فإنه ينطلق في تحركه باتجاه الرغبة في الشهرة والرياء فهو موحدٌ في اللسان ومشركُ في السلوك ومتعدٍ على حرمات نفسه وحرمات الناس ، و هنا تكون نقطة الافتراق ويكون من المفلسين كما في تعبير القرآن : (( الأخسرين أعمالاً )) و جاء عن رسول الله (ص) أنه سُئل قومه : هل تدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع . قال (ص) : (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ، ويأتي و قد شتم هذا وقذف هذا ، وأكل مال هذا وسفك دم هذا ، وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وإن انتهت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم ، فطُرحت عليه ثم يُطرح في النار) .

الإنسان الموحد الحقيقي لا يمكن أن يصل إلى هذه النتيجة المخزية لأنه يعيش التوحيد سلوكاً و محصناً نفسه بالتقوى ، ويستشعر في قرارة نفسه بالرقابة الإلهية الدائمة ، فيراعي القيم الإنسانية انطلاقاً من مفهوم التوحيد ، وهذا الشعور الإيجابي يجلي النفس أكثر ، و يكسبها المعرفة الإلهية الحقيقية ، و يكسيها الله بالنور الخالد فيشاهد هذا الإنسان كل شئ بنوره سبحانه كما قال تعالى : ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ))

(( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور))

(( قد جاءكم من الله نور وكتاب ، يهدي به من اتبع رضوانه سبل السلام)) .

وعن رسول الله (ص) : (من علّمَ وعمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) .

وعن إمام المتقين (ع) : ( إن الإيمان ليبدو لمعةً بيضاء ، فإذا عمل العبد الصالحات نما و زاد حتى أبيضّ القلب كله ، وإن النفاق ليبدو نكتة سوداء ، فإذا انتهك الحرمات زادت حتى يسوّد القلب كله ، فيطبع على قلبه بذلك الختم)

قال تعالى (( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )) .

نعم أيها الأحبة : إن تغيير النفس باتجاه التكامل التوحيدي ينمي حس الاعتقاد ويزيده ، ويؤثر ذلك على المصاديق العملية إيجابياً ((فزادهم إيماناً )) وهذه الزيادة في الإيمان ناتجة عن التكامل التوحيدي في النفس الإنسانية، فأضاف الله سبحانه نوراً إلى نورهم .. وإذا أراد الإنسان أن يتدرج في عملية التكامل لا بد له من أن يمر بمراحل أربعة ، و كل مرحلة مرتبطة بالأخرى لأنها متعلقة بعمق الاعتقاد ، وآثاره العملية على الصعيدين الفردي والاجتماعي .

فالمرحلة الأولى هي مرحلة الإسلام : وهي الإقرار بالشهادتين إقرار القلب واللسان .

والمرحلة الثانية هي مرحلة الإيمان : والإيمان أرفع درجة من الإسلام كما قال تعالى)) إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون )) (الأنفال2)

وفي المرحلة الثالثة وهي مرحلة التقوى التي يكون فيها الإنسان قد وصل إلى مرحلة من الصقل المعنوي والتهذيب الذاتي حتى وكأنه يرى بنور الله لأنه موجود في حالات الطاعة وغائب عن مواضع المعصية قال تعالى : .((إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون )) ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)) .

فالإنسان المتقي يسخر كل لحظة من لحظات حياته في طاعة الله وقلبه عاشق للمولى سبحانه كما في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل لساني بذكرك لهجاً ، و قلبي بحبك متيماً .( حينما يتـنامى هذا الشعور في النفس ، و تستمر عملية الصقل الروحي يصل الإنسان إلى مرحلة جديدة أعلى من مرحلة التقوى وهي تمثل قمة التكامل الإنساني ، و يتصف صاحبها بصفات الصديقين و يكون بمصاف المعصومين كما قال تعالى )) : (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)) ، والوصول إلى هذه المرحلة هو ثمار كفاح طويل ، و صقل دائم للنفس ، ففي هذه المرحلة يكون الإنسان قد وصل إلى مرحلة اليقين بالله تعالى كما قال أمير المؤمنين(ع) : ( عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم) ، وفي هذه المرحلة يكون الإنسان قد طهّر ذاته كاملاً من كل الأدران ، و تقرب باتجاه المعبود المطلق سبحانه .

حينما يصل الإنسان إلى هذا المستوى من التوحيد اليقيني يعني تجاوزه ثلاث مراحل من الإيمان هي :

1- علم اليقين : وهو مشاهدة الأشياء بآثارها كمشاهدة النار يتوسطها نورها .

2- عين اليقين: وهو المعايشة والإحساس كالذي يعيش ويتحسس آثار النار.

3- حق اليقين : هو الاطمئنان المطلق بالأثر كالاحتراق بالنار كما قال تعالى : (( كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين )) ( الواقعة) (( إن هذا لهو حق اليقين)) (التكاثر 7 ) .

وهذا النموذج الرباني من الشخصية الإسلامية هي التي يطمح الإسلام أن يصل إليها الإنسان ، لأنها تمثل الخلافة الربانية الحقيقية التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإنسان التشرف بحمل مسؤوليتها وتحقيق المفهوم العملي للعبادة (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون )) .


((يتبع))