فقد ماتت أمي..

ودفنت أمي .. وامتلأ البيت بالمعزين والمعزيات والوافدين من مختلف مناطق
المملكة ..
وخلال أيام كنت لا أملك فيهما تفكيري إن فكرت فإني أتصورأمي واقفة في البيت
تستقبل المعزين والمعزيات..
ولكن من الذي مات؟!

أرى شقيقي أحمد طفل العاشرة ، والحزن يمزقه ومشاعر غاية في البشاعة تتصارع
في نفسه الغضة الطـاهرة يلعب مع الأطفال في فناء الدار وهو يستشعر نقصاً كبيراً
يمور في جوفه .. وفي لحظة ماأحسست بأنه لا يعي شيئاً مما يدور حولـه ،
ولا يدرك بأن أمه حبيبته الوحيدة قد ماتت .. ولكنني صحوت في إحدى الليالي
على نشيج خافت ، يمزق سكون الليل .. كان أحمد الصغير يحتضن أحد ثياب أمي
وهو يبكي بحرقة .. حرقة لاتتناسب مع وطفل صغير في سنـة .. تفجرت في نفسي
ينابيع الإشفاق. أسرعت أحتضنه وأبكي معه.. امتزجت دموعنا في يأس مرّ وحزن
عميقين لأفاجأ بأبي واقفاً على رؤسنا قائلاً في سخرية:

_ منى .. ألا تكفين عن البكاء والنحيب .. إن أمكِ كانت مريضة ومن الطبيعي
أن يموت المريض.. تماسكت بصـعوبـة كيلا أرد عليه .. ومن الذي أمرضها يا أبي
من الذي جلب لها المرض غيرك.. إنها لم تصب بهذا المرض اللعين إلا بعد أن سمتها
سوء العذاب ، وبعد أن أريتها النجوم في عز الظـهر .. كيف كانت ستتحمل نزواتك
وزواجاتك العابرة و إذلالك المستديم لها .. كيف كانت تتحمل انهيار وقلب البيت
إلى ساحة معارك