(3) تضارب المصالح بين مراكز القوى

إن وجود مراكز قوى دينية واجتماعية قد يكون عاملاً في إثارة الناس ضد بعض القيادات الدينية، بحيث تتخذ إحدى القيادات الدينية موقفًا أو رأيًا شرعيًّا، فيكون هناك علماء آخرون يخالفون هذه الجهة أو القيادة في هذا الموقف أو الرأي. والمخالفة في حدود النقاش والبحث العلمي لا بأس بها، بل هي مطلوبة، ولكن في بعض الأحيان لا تقف عند حدود المخالفة العلمية، بل تصل إلى حدّ التهييج وإثارة الناس على ذلك العالم أو صاحب الرأي الجديد، ويتوسّلون في ذلك بشائعات من قبيل الادعاء عليه بأنه يريد تبديل العقيدة أو الدين، أو أنه يخرج عن آراء العلماء، وفي هذه الأجواء يكون هناك ضغوط من الجمهور على صاحب هذا الرأي، ونجد لذلك أمثلة ونماذج كثيرة عند كل المذاهب الإسلامية، فنرى هذه الحالة قد حصلت لبعض مراجع التقليد عندنا، كما حصل للمرجع الأعلى في زمنه السيد محسن الحكيم (قده)، حيث كان الرأي السائد في عصره عند الفقهاء القول بنجاسة غير المسلمين على اختلاف أديانهم، بمن فيهم أهل الكتاب، وكان السيد الحكيم يفتي بهذا الرأي، وبالتالي لا يستطيع المسلم لمس غير المسلم برطوبة أو أن يشرب سؤره وما شابههما من أحكام.

ولكن السيد الحكيم جدّد النظر في المسألة فتوصّل إلى الرأي القائل بطهارة أهل الكتاب، فخالف بهذا الرأي ما كان سائدًا في ذلك الوقت، فقامت بعض الأطراف واستغلّت الموضوع للتهريج، فاتهموا السيد الحكيم باتهامات باطلة مما أثار ضجّة في النجف الأشرف عليه وما ذلك إلا بسبب هذا الرأي الفقهي.

وينقل العلاّمة الشيخ محمّد جواد مغنيّة (ره) في كتابه فقه الإمام الصادق أنه «عاصر ثلاثة مراجع كبار من أهل الفُتيا والتقليد... قد أفتوا جميعًا بالطهارة (طهارة أهل الكتاب)، وأسرّوا بذلك إلى من يثقون به، ولم يعلنوا خوفًا من المهوّشين»[13] .

ويقول الشيخ عفيف النابلسي في كتابه فقه أهل البيت[14] : وقد عاصرت ثلاثة مراجع كبار من أهل الفتيا والتقليد، الأول كان في النجف الأشرف وهو الشيخ محمد رضا آل ياسين، والثاني في قم وهو السيد صدر الدين الصدر، والثالث في لبنان وهو السيد محسن الأمين، وقد أفتوا جميعا بالطهارة – طهارة أهل الكتاب – وأسروا بذلك إلى من يثقون به خوفا من المهووسين.

وفي هذه النقطة ينقل الشهيد مرتضى المطهّري عن المرجع الأعلى في زمانه في إيران السيد البروجردي (قده) أنه كان يقول بأن «التقية من أصحابنا أهم وأعلى» من التقية تجاه من يخالفنا[15] .

وينقل أيضا في نفس المصدر القصّة التالية، يقول (ره): «لقد ارتأى المرحوم آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ـ أعلى الله مقامه ـ، مؤسس الحوزة العلمية في قم، أن يطلب من عدد من الطلبة تعلّم اللغات الأجنبية وبعض العلوم كمقدّمات، لكي يستطيعوا عرض الإسلام على الطبقات المثقفة الجديدة، وفي البلدان الأجنبية، ولكن ما إن انتشر هذا الخبر حتّى جاءت جماعات من العامّة وأشباه العامّة من طهران إلى قم، وقالوا: إن هذه الأموال التي يدفعها الناس باسم سهم الإمام لا يقصد بها أن تصرف لتعلّم الطلبة لغة الكفّار، وإنهم سوف يفعلون كذا وكذا إذا نفذ [الشيخ الحائري] الاقتراح. فلمّا رأى المرحوم أن ذلك سيكون سببًا لانهيار الحوزة العلمية من أساسها ألغى فكرته مؤقّتًا»[16] .

وتنقل لنا الأحداث ما أثير ضدّ السيد محسن الأمين العاملي حينما طرح رأيه حول تنزيه الشعائر الحسينية، حيث ثارت عليه ضجّة وصلت إلى حدّ تكفيره في بعض الأحيان، لدرجة أنه كان يريد التوجّه بعدها إلى زيارة النجف الأشرف فجاءته الرسائل بأن لا يأتي لأن هناك من يتهدّده بالإهانة وربما القتل.

وهذا ليس حِكْرًا على مذهب دون آخر، فهذا الشيخ محمد أبو زهرة (ره) ـ من علماء الأزهر وله كتب وآراء ناضجة ـ قال في أحد المؤتمرات كما نقل عنه الشيخ يوسف القرضاوي: (أنه عنده رأي كتمه عشرين عاماً ويريد أن يبوح به الآن)، وأضاف الشيخ القرضاوي (إنني كتمت بعض الفتاوى لسنين طويلة خشية أن يهاجمني المهاجمون ثم بدأت أفصح عن هذه الفتاوى وأنشرها)[17] .

وكذلك رئيس مجلس الشورى في المملكة الشيخ صالح بن حميد قال في حفل تكريم والده الشيخ عبدالله بن حميد الذي أقيم في جامعة أم القرى بمكّة المكرّمة ـ حسب ما نقلت ذلك جريدة المدينة في عددها الصادر في 30/ 10/ 1426 هـ في محلق الرسالة: (أن والده تمكن في السبعينيات من كسب معركة بناء الجامع الكبير في بريدة بالأسمنت المسلح، بعد أن لقي معارضة شديدة من أهالي المدينة، الذين اعترضوا بشدة، وطالبوه بأن يكون البناء بالطين وسعف النخيل على ما درج عليه أجدادهم معتبرين ذلك معركة حياة أو موت).

لذلك من الضروري أن تمتلك القيادات الدينية البصيرة والشجاعة، والتحلّي بدرجة عالية من الإخلاص، والاستعداد للتضحية، إذا كان ما تسعى إليه هذه القيادات من الأمور المهمّة، فتقدم على اتخاذ الموقف، وتبيّن الرأي الشرعي وتذيعه، دون مراعاة هذه الحساسية الجماهيرية المنفعلة.


نماذج من القيادات الدينية الواعية

وهذا النوع من القيادات لا نعدمها في تاريخنا المعاصر، فإننا نجد في هذا العصر روّادًا طرحوا آراءهم التجديدية في الفكر والفقه الإسلاميين، وأسّسوا المشاريع الإسلامية الرائدة، فنجد في العراق ـ كمثال ـ الشهيد السيد محمد باقر الصدر الذي طرح مشروعًا فكريًّا جديدًا في الاقتصاد الإسلامي وفي الفلسفة الإسلامية، وأسس حركة إسلامية واعية في العراق، وقد واجه من أجل ذلك ضغوطًا كثيرة يذكرها من كتب عنه من تلامذته ومن درسوا الحالة العراقية في وقته.

وفي لبنان نجد الإمام موسى الصدر والشيخ محمد جواد مغنية والشيخ محمد مهدي شمس الدين وغيرهم من علماء الدين الذين أسّسوا وساهموا في نشر الوعي الإسلامي الوطني في لبنان، وقد واجه جميع هؤلاء مشاكل وافتراءات وضغوطًا، ولكنّهم تحمّلوا مسؤولياتهم وأدّوا ما عليهم من أدوار.

ولا ننسى أن في منطقتنا ـ والحمد لله ـ لدينا بعض العلماء الروّاد في طروحاتهم الفكرية والعلمية، وفي هذا المجال يجدر بنا أن نشيد بشخصيّة العلاّمة الدكتور الشيخ عبد الهادي الفضلي ـ منَّ الله عليه بالصحّة والعافية ـ.

هذا العالم الذي يمكن اعتباره ـ وبدون مبالغة ـ أبرز كفاءة علمية في منطقتنا في هذا العصر، إذ لا يصحّ أن نبخسه حقّه في هذا الجانب، يقول تعالى: ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾[18] ، فنحن ـ وللأسف ـ قد نكون جريئين في الإشادة بشخصيات من خارج المنطقة، أو الإشادة بشخصياتنا بعد رحيلها، وهذه الحالة ليست من سمات المجتمعات الحيّة المنصفة، فالشيخ الفضلي كفاءة علمية عظيمة ينبغي الإشادة بها، فهو فقيه، وكتاباته وآراء العلماء تدلُّ على مكانته الفقهية والعلمية.

كما أنّه شخصية أكاديمية، فبالإضافة إلى دراساته الحوزوية في النجف الأشرف وحضوره البحث الخارج على أيدي كبار الفقهاء والمراجع هناك، واصل دراساته الأكاديمية، فنال درجة البكالوريوس من كلية الفقه في النجف، ودرجة الماجستير من جامعة بغداد، والدكتوراه من جامعة القاهرة. فهو أكاديمي حوزوي.

يضاف إلى درجته العلمية نتاجه الفكري والثقافي، فله مجموعة كبيرة من الكتب والمؤلَّفات تصل إلى أكثر من 60 كتابًا في مختلف المجالات، من أبرزها دروس في فقه الإمامية في أربعة مجلّدات. وبعض كتبه تدرَّس في الحوزات العلمية من قبل أكثر من ثلاثين سنة.

وفي مجال النشاط الحركي كان من المؤسسين للحركة الإسلامية في العراق، وكان عضوًا في جمعية منتدى النشر، وعضوًا في جماعة العلماء، وفي رابطة النشر، وكان عضوًا في هيئة تحرير مجلّة الأضواء وهيئة تحرير مجلّة النجف، وغيرها من الأنشطة الثقافية.

وابتداءً من سنة 1391 هـ جاء إلى مدينة جدّة وأصبح أستاذًا في جامعة الملك عبد العزيز في جدّة، وهو من أسس قسم اللغة العربية فيها، كما كان عضوًا مؤسِّسًا ودائمًا في لجنة المخطوطات في مكتبتها المركزية[19] .

هذا بالإضافة إلى أخلاقه وانفتاحه على الجميع، وإشادته الدائمة بالطاقات المحلّية، فلم يذهب له مؤلِّف أو باحث يطلب منه التقديم لكتابه إلا واستجاب لطلبه مهما كانت قيمة الكتاب.

وهكذا شخصية لها واجب علينا، فلا أقل من أن نرفع أيدينا بالدعاء له بالشفاء والعافية، حيث أصيب مؤخّرًا بجلطة دماغية، تجاوز معظم آثارها، وهو يخضع حاليًّا للعلاج في مدينة الأمير سلطان الطبية في الرياض.


المحور الثالث: نماذج من سيرة الرسول وأهل بيته

نحن نجد في سيرة الرسول بعض المواقف التي كان يتّخذ فيها موقفًا يتعارض مع رأي الصحابة، وذلك حينما تكون هناك مصلحة واضحة قد لا يلتفت عموم الصحابة إليها. ومن أبرز تلك المواقف ما حصل عند توقيع صلح الحديبية بين المسلمين وكفّار قريش في السنة السادسة للهجرة، حيث اعترض عدد كبير من الصحابة، وكان من أبرزهم الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، حيث جاء وهو غاضب، وقال: «يا رسول الله، أولسنا مسلمين؟!».

فأجابه : «بلى».

فقال: «أوليسوا مشركين؟!».

قال : «بلى».

فقال عمر: «فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟!».

فقال النبي : «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمرَه، ولن يضيّعني»[20] .

وقد كان من شروط الصلح التي أثارت بعض الصحابة ما كان فيها من إلزام للرسول بأن يرجع إلى قريش كل من يهاجر مسلماً دون رضا أهله.

وبينما كان رسول الله يكتب بنود الصلح هو «وسهيل بن عمرو [عن قريش]، إذ جاء أبو الجندل بن سهيل بن عمر يرسف في الحديد، قد انفلتَ إلى رسول الله ، وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكُّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ، فلمّا رأوا من الصلح والرجوع وما تحمّل رسول الله في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون؛ فلمّا رأى سهيل [ابنه] أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد، قد لجّت القضية[21] بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، قال : صدقتَ، فجعل ينتره[22] بتلبيبه ويجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو الجندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأردُّ إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد ذلك الناس إلى ما بهم، فقال رسول الله : يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم»[23] .

ونجد مثالاً آخر في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حينما آلت إليه الخلافة، حيث واجه ضغوطًا من قبل من حوله وأصحابه حول قضايا كثيرة، من أبرزها تثبيت معاوية على ولاية الشام، فقد قال المغيرة بن شعبة لعلي : اقرر معاوية وابن عامر وعمال عثمان على أعمالهم حتى تأتيك بيعتهم ويسكن الناس، ثم اعزل من شئت، فأجابه علي وقال: «والله لا أداهن في ديني، ولا أعطي في الدنية أمري». وقال المغيرة لعلي: فإن كنت أبيت عليّ فانزع من شئت واترك معاوية، فإنه في معاوية جرأة، وهو في أهل الشام يستمع منه، ولك حجة في اثباته، كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشام. فقال له: «لا والله، لا استعمل معاوية يومين»[24] .

وكذلك في مسألة المفاضلة في العطاء، فكان المسلمون معتادين قبل خلافة الإمام علي على المفاضلة في العطاء حسب الدرجات والمستويات، وفي هذا السياق يروى أنه جاءت امرأتان فأعطاهما على حد سواء، فلما ولتا سفرت أحداهما وقالت: يا أمير المؤمنين فضلني الله بما فضلك الله به وشرفك! قال: «وبما فضلني الله وشرفني؟» قالت: برسول الله قال: «صدقت. وما أنت؟» قالت: أنا امرأة من العرب، وهذه من الموالي. قال: فتناول شيئاً من الأرض، ثم قال: «قد قرأت ما بين اللوحين، فما رأيت لولد اسماعيل على ولد اسحاق فضلاً ولا جناح بعوضة»[25] .

وقد واجه الإمام علي ضغوطًا كبيرة ليسير بنفس السيرة السابقة في مسألة المفاضلة في العطاء، فقال لهم : «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه، والله لا أطور به ما سمر سمير أو أمَّ نجم في السماء نجمًا»[26] .

ونجد ذلك في حياة الإمام الحسن في صلحه مع معاوية.

وفي موقف الإمام الصادق أواخر الدولة الأموية، حينما بدأ العباسيون يتحرّكون تحت شعار «الرضا من آل محمّد»، حيث كانت ثورتهم باسم أهل البيت ، ما جعل الكثيرين يطلبون من الإمام الصادق التصدّي وتبنّي الثورة، وكان من أبرزهم أبو مسلم الخراساني، ولكن الإمام الصادق كان يرفض ويقول: «ما أنتَ من رجالي، ولا الزمان زماني»[27] ، فكان تشخيصه للوضع أنه ليس الوضع والوقت المناسب.

وقد سبب له موقفه هذا بعض ردّات الفعل، خصوصًا من أتباع الزيدية، إذ جاءه احد أصحابه وقال له: يا ابن رسول الله، إن الزيديّة يقولون ليس بيننا وبين جعفر [بن محمّد] خلاف إلا أنه لا يرى الجهاد، فأجابه الإمام : «أنا لا أراه؟!، بلى ـ والله ـ لأراه، ولكنّي أكره أن أدع علمي إلى جهلهم»[28] .

ولذلك على القيادة الدينية أن تكون بهذا الوعي وقراءة المواقف، فإذا كان الموقف يتطلّب الإقدام تقدم وإذا كان يتطلّب المهادنة والمداراة تهادن دون عناية كبيرة بآراء ومعارضة الجمهور التي قد تكون في كثير من الأحيان نتيجة العاطفة والتعجّل في اتخاذ الموقف.

وهذا ما نراه في سيرة ونهج الإمام الحسين عندما أتته الرسائل بعد استشهاد أخيه الإمام الحسن للثورة على معاوية، ولكنّه رفض الاستجابة لهذه الرسائل.

كما أنّه عندما أعلن معارضته لخلافة يزيد جاءه من الصحابة ومن كبار المسلمين من ينهاه عن المسير في هذا الاتجاه، ولكنّه كان يجيبهم بقوله: «شاء الله أن يراني قتيلاً».