الشيخ الصفار، في محاضرة الليلة الثانية من عاشوراء: حب أهل البيت في نفوس المسلمين
للإستماع اضغط هنااا
قال الله العظيم، في كتابه الكريم: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [1]
حديثنا هذه الليلة يشتمل على ثلاثة محاور:
المحور الأول : الأصل الديني لحب أهل البيت
آيات القرآن الكريم والأحاديث الواردة عن رسول الله والتي اعتبرها المسلمون في مختلف مذاهبهم صحيحة ثابتة هي التي تدفع كل مسلم لكي ينعقد قلبه على حب أهل البيت.
ومن الآيات الكريمة التي تدعو لحب أهل البيت هذه الآية الكريمة، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾. والأنبياء حينما يبلغون رسالات الله فإنما يقومون بالتبليغ استجابة لأمر الله تعالى، وبالتالي فهم لا يريدون من أحد، مقابل تبليغهم للرسالة أجراً، ولذلك نجد في سورة الشعراء ورد على لسان خمسةٍ من الأنبياء: نوح ، وهود ، ولوط ، وصالح ، وشعيب ، وفي خمسة مواقع من السورة الكريمة، كل هؤلاء الأنبياء كانوا يقولون بلسان واحد ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[2]
إذاً لا أحد من الأنبياء يريد من الناس أجراً أو يتوقع منهم ذلك، في مقابل تبليغه رسالة الله. وكذلك النبي محمد أمره الله تعالى أن يقول للمسلمين: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ[3] ﴾، بينما نجد الله سبحانه وتعالى يأمر نبيه أن يطلب من الناس أجراً، كما هو صريح في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فكيف يُمكن التوفيق بين هذه الآية الكريمة، وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وكيف أن النبي يطلب أجراً من المسلمين على تبليغ الدعوة الإلهية بعكس سائر الأنبياء؟ هذا التنافي الذي يبدو لأول وهلة تجيب علية آية أخرى، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[4] .
إذاً الفائدة الكبرى من المودة في القربى هي للمسلمين، وليست للنبي الأكرم . فالأمة حينما تحب أهل البيت و ترتبط بهم فإن ذلك في مصلحة الأمة نفسها ولخير الأمة نفسها.
وحول الآية الكريمة: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وردت روايات وأحاديث كثيرة نقلتها مصادر المسلمين، كما في تفسير الكشاف[5] والصواعق المحرقة[6] وغيرهما من المصادر الإسلامية المعتبرة، أن الصحابة سألوا رسول الله : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودتهم؟ قال : «هم علي و فاطمة و ابناهما».
ومن ذلك أيضاً: أن الإمام الحسن خطب في الناس بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين وقال: «أنا من أهل البيت الذين فرض الله مودتهم عليكم»[7] .
وروايات أخرى كثيرة مذكورة في الكتب و مصادر الحديث الإسلامية هذا على صعيد الآية الكريمة.
الأحاديث الشريفة ودعوتها لحب أهل البيت
أما على صعيد الأحاديث والنصوص الواردة في مصادر الحديث فهي كثيرة، ومنها الحديث الوارد عن رسول الله أنه قال: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه و أحبوني لحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي»[8] ، وفي حديث آخر صححه الشيخ الألباني[9] عن النبي أنه قال: «والذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحدٌ إلا أدخله الله النار»، وهناك أحاديث كثيرة تتحدث عن أفراد أهل البيت ، فمثلا عن الصديقة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين ، أن رسول الله قال فيها: «فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني»[10] .
أما في حق علي ، ففي صحيح ابن ماجة عن علي قال: «عهد إليَّ النبي الأمي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق»[11] . قال الشيخ الألباني: (وهذا حديث صحيح).
وأما في حقَّ الحسنين عليهما السلام فالأحاديث كثيرة، ومنها قوله : «من أحب الحسن والحسين فقد أحبّني ، ومن أبغضهما فقد أبغضني»[12] .
إذا هناك نصوص شرعية، وهي تؤصل لأصل ديني يدفع كل مسلم للولاء لأهل البيت ولمحبتهم .
المحور الثاني: مكانة أهل البيت في الأمة
انطلاقاً من هذه النصوص ومن شخصيات أهل البيت التي فرضت نفسها بعلمها وفضلها، فإن الأمة كانت تحترم أهل البيت وتحبهم، فقد اتفقت الأمة في جميع عصورها على محبة أهل البيت وتعظيمهم. صحيح كانت هناك فئة من الأمة تظهر العداء والبغض لأهل البيت، وقد أطلق المسلمون عليهم مصطلح النواصب، وهذا المصطلح يعني تلك الفئة التي تبغض أهل البيت. في بداية الأمر كان هناك نوع من الصراع السياسي فالحاكمون رأوا في أهل البيت منافسة لهم في حكمهم في نفوذهم، ورأوا أن الأمة تنجذب إليهم تنشد إليهم، ولذلك أقصوا أهل البيت وجفوهم.
والمشكلة أن هناك من حوّل هذا الصراع السياسي إلى دين، وهؤلاء مغرضون، وحصل ذلك منهم تملقاً منهم إلى الحكام، أو غفلة منهم، أو من أجل مصلحة عندهم، حوّلوا الجفاء لأهل البيت إلى دين، وصاروا يبغضوا أهل البيت ويناوئوهم بتأثير الأجواء السياسية. ومن نتائج ذلك شُتم أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب سبعين سنة على منابر المسلمين، وهذا نوع من التضليل، والناس بطبيعتهم يتأثرون بالأجواء الإعلامية المصنوعة.
والتاريخ ينقل لنا بعض القصص والشواهد على ذلك، ومنها ما قاله أحد أعلام المسلمين عن أحد الرواة وهو: حريز بن عثمان الحمصي[13] ، أنه شامي ثقة وكان يحمل على علي ابن أبي طالب ، ويا عجباً فكيف هذا الراوي ثقة، وهو يحمل على علي بن أبي طالب ويصرح ببغضه لأمير المؤمنين ، قال عمران بن أبان: سمعت حريز بن عثمان يقول: لا أحبه قتل آبائي – يعني عليا -، ويُنقل في ترجمته أنه كان في كل يوم يلعن علي في الغداة سبعين مرة وفي الليل سبعين مرة.
ومن طريف ما ينقل في قصص العلماء([14] )أن نجيب باشا والي بغداد ذهب إلى النجف الأشرف، وطلب من الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر)، أن يأخذه إلى زيارة قبر أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ، وعند وصولهما وقف الوالي أمام ضريح الإمام ثم رفع رأسه إلى السماء وقال اللهم بحرمة لحيتي البيضاء تجاوز عن ذنوب الإمام علي إذ أهرق الكثير من دماء المسلمين.
خلاصةً، هناك فئة محدودة من الأمة يُظهرون العداء لأهل البيت ، ولكن أغلب الأمة يُعلنون حبهم لأهل البيت ، صحيح أن المحبة لأهل البيت درجات، وأن أغلب المسلمين يحبون أهل البيت قلبياً ونفسياً، لكنهم لا يعتقدون بأنهم هم قيادة الأمة، وأنهم خلفاء رسول الله أقوالهم واجبة الإتباع، فهذه حالة اختص بها شيعة أهل البيت .
فأصل محبة أهل البيت يتفق عليها المسلمون، أما دورهم مكانتهم فهي محل نقاش، وكما يقول السيد الإمام الخوئي ـ رحمة الله عليه ـ في موسوعته الاستدلالية: «الضروري من الولاية إنما هي الولاية بمعنى لحب والولاء، وهم غير منكرين لها – بهذا المعنى – بل قد يظهرون حبهم لأهل البيت عليهم السلام. وأما الولاية بمعنى الخلافة فهي ليست بضرورية بوجه وإنما هي مسألة نظرية وقد فسروها بمعنى الحب والولاء ولو تقليدا لآبائهم وعلمائهم وإنكارهم للولاية بمعنى الخلافة مستند إلى الشبهة كما عرفت وقد اسلفنا أن انكار الضروري إنما يستتبع الكفر و النجاسة فيما إذا كان مستلزما لتكذيب النبي كما إذا كان عالما بأن ما ينكره مما ثبت من الدين بالضرورة وهذا لم يتحقق في حق أهل الخلاف لعدم ثبوت الخلافة عندهم بالضرورة لأهل البيت نعم الولاية – بمعنى الخلافة – من ضروريات المذهب لا من ضروريات الدين»[15] .
فالمعنى واضح: خلافة أهل البيت وقيادتهم للأمة من ضرورات المذهب الجعفري، وهو ما اقتنع وآمن به شيعة أهل البيت ، أما بقية المسلمين عندهم قناعة ورأي آخر، بالطبع المجال مفتوح للنقاش وللحوار، فنحن لنا أدلتنا ولنا براهيننا وبقية المسلمين عندهم تأوّل لهذه النصوص.
وأئمتنا ما كانوا يرون أن من كان له رأي آخر لتأوّل أو لشبهة يكون خارج الدين، وإنما تجري عليه أحكام الإسلام، بل إنه ورد في كتاب البحار للعلامة المجلسي ـ أعلى الله مقامه ـ عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه عن علي قال: «إن للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منه شيعنا ومحبونا، وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرة من بغضنا أهل البيت»[16] ، يعني مخالف لأهل البيت ولكن ليس في قلبه بغض لأهل البيت لسبب أو للآخر.
العلاقة مع الآخر بحسن الظن
وهنا مسألة هامة ينبغي تسليط الأضواء عليها في العلاقة بين المسلمين على تنوع مذاهبهم، إذ ينبغي أن يكون هناك حسن ظن بين المسلمين، ولا يفترض الواحد من أتباع مذهب بأن أتباع المذهب الآخر معاندون جاحدون يعرفون الحق ولا يتبعون، وهذا الاعتقاد خاطئ، فأغلبية الناس لا يعرفون الحق، فهم قد عاشوا في بيئة وأصبحوا ضمن نهج تلك البيئة المذهبية، وبسبب القصور لم تتضح لهم الحقيقة وإلا ليس كل واحد يريد أن يدخل النار، وهو يعرف طريق النجاة ويتركه. صحيح هناك بعض الأشخاص يتضح لهم الحق لكنهم يكابرون ويجحدون، وهذا لا ينطبق على كل الناس. ولذلك ينبغي أن يتعامل المسلمون فيما بينهم على أساس حسن الظن في بعضهم البعض، ولا يفترض السني أن الشيعي يسير على طريق وهو يعلم أنه خطأ، بل عليه أن يعتقد أن الشيعي يسير على طريق وهو مقتنع أنه صح وإلا ما سار عليه. ولا يعتقد الشيعي أن السني يسير على طرق وهو يعلم أنه باطل، كلا! فالسني يسير على طريق وهو يعتقد أنه حق، ولو اتضح له أنه باطل لما سار عليه. وهذا الكلام لا ينفي وجود أشخاص في هذا الطرف وفي ذاك الطرف مكابرون وجاحدون.
تاريخ الأمة ومحبة أهل البيت
إذا قرأنا في تاريخ الأمة نرى أن هناك تقديراً وتعظيماً واحتراماً واضحاً عند المسلمين، في كل عصر وجيل، لأهل البيت ، فنجد ذلك حتى عند الحاكمين السابقين المناوئين لأهل البيت، نعم منعوا أهل البيت من حقهم الطبيعي في إدارة الأمة، ولكن في أعماق نفوسهم يعرفون مكانة أهل البيت، وهناك رواية تنقل عن المأمون العباسي أنه قال: إنما تعلّم فضل أهل البيت من أبيه هارون، وذلك أنه رأى أباه وهو يجل ويقدر الإمام موسى بن جعفر فتعجب من ذلك.
يقول: وكنت أجرأ وُلدَ أبي عليه فلما خلا المجلس قلت يا أمير المؤمنين: من هذا الرجل الذي قد أعظمته و أجللته و قمت من مجلسك إليه فاستقبلته و أقعدته في صدر المجلس و جلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال: هذا إمام الناس و حجة الله على خلقه و خليفته على عباده. فقلت يا أمير المؤمنين: أ وليست هذه الصفات كلها لك و فيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة و القهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني إنه لأحق بمقام رسول الله مني و من الخلق جميعا و والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك فإن الملك عقيم[17] .
فالأمة تعرف مكانة أهل البيت السامقة، وهنا نماذج من تقدير أئمة المذاهب لأهل البيت .
أئمة المذاهب الأربعة واحترام أهل البيت
لو أخذنا نموذجاً أئمة المذاهب الأربعة المعروفة، وقرأنا في حياتهم وسيرتهم لوجدنا أنهم كانوا يعلنون أمام الناس احترامهم وحبهم لأهل البيت وتعظيمهم للمكانة الرفيعة التي يتسنمها أهل البيت أنفسهم.
يتحدث الإمام مالك عن الإمام جعفر بن محمد الصادق فيقول: (ما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر ابن محمد الصادق علماً وعبادةً وورعا)[18] ، وقال: (كان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده رسول الله اصفر، وما رأيته يحدث عن رسول الله إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانا، فما كنت أراه إلى على ثلاث خصال: إما مصلياً وإما صائما وإما يقرأ القرآن)[19] .
رأي الإمام أبو حنيفة:
له كلمة معروفه ومشهورة: (لو لا السنتان لهلك النعمان)[20] أي لو لا السنتان اللتان كان يحضر فيهما مجلس الإمام جعفر الصادق .
وحينما ألزمه المنصور العباسي بأن يناظر الإمام الصادق اعترف وأعتبرها فرصة للإشادة بالإمام الصادق ، قال: دعاني أبو جعفر المنصور حينما كان في الحيرة وقال لي: إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من المسائل الشداد. يقول فهيأت له أربعين مسألة. ثم بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس على يمينه، فلما بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور، ثم يكمل - أبو حنيفة - بأنه سأل الإمام والإمام يجيبه فيقول: أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على الأربعين مسألة، ويُضيف أبو حنيفة: ألسنا روينا: إن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس[21] .
وأما الإمام الشافعي:
والذي عُرف بحبه لأهل البيت فهو صاحب الشعر المعروف[22] :
يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القران أنزله
كفاكم من عظيم الشأن أنكم من لم يصلي عليكم لا صلاة له
وهو صاحب الشعر الذي يقول:
إن كان رفضا حب آل محمد فليشهد الثقلان أني رافضي[23]
أما رأي الإمام أحمد بن جنبل:
ففي مسنده عدد كبير من الروايات في فضل أهل البيت، ولعله ليس في كتب الصحاح و المسانيد كتاب فيه من فضائل أهل البيت ما في مسند الإمام أحمد بن حنبل، وله كتاب أفرده في فضائل علي ابن أبي طالب ، وله كلمات ومواقف تنقل على هذا الصعيد: فمرة ينقل ولده عبد الله ابن أحمد بن حنبل يقول: حدث أبي بحديث سفينة ، فقلت : يا أبت ما تقول في التفضيل ؟ قال: في الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان. فقلت: وعلي بن أبي طالب! قال: يابني علي بن أبي طالب من أهل بيت لا يقاس بهم أحد[24] .







رد مع اقتباس
المفضلات