في رابع ليالي عاشوراء: الإمام الحسين و حركته السلمية
اضغط هناا للإستماع
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في سلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدون مبين﴾[1] الصدق الله العلي العظيم.
يتركز حديثنا هذه الليلة ـ من خلال الآية ـ في ثلاثة محاور:
المحور الأول: ثقافة السلم وثقافة العنف
الإنسان باعتباره مدنياً يعيش ضمن المجتمع، فإن الأجواء التي يتربي فيها، والثقافة التي يعيش ضمنها توجه نفسه وتؤثر على سلوكه. فإذا نشأ في مجتمع تسوده الرحمة والمحبة والتكافل فإن ذلك يهيؤه نفسياً لكي يسلك طريق السلم والمحبة والتعامل الصحيح في حياته. أما إذا نشأ في أجواء قاسية جافة، أو كانت الثقافة السائدة في مجتمعه ثقافة تشجع على العنف، فإن هذا المجتمع ينتج أشخاصاً متمردين وعنفيين.
ولهذا نجد أن الإسلام يحرص على أن يوفّر أجواء اجتماعية محاطة بالرحمة والمحبة، فيُشجّع الوالدين على أن يغمرا الطفل بالعطف والحنان، وقد ورد في الأحاديث أن تقبيل الأب لولده له فيه أجر، ففي الحديث عن رسول الله قال: «من قبّل ولده كتب الله له حسنة»[2] ، وعنه أنه قال: «أكثروا من قبلة أولادكم فإن لكم بكل قبلة درجة في الجنة»[3] .
وفي روايةٍ أن أحدهم رأى رسول الله وقد أجلس الحسنين على فخذيه وكان يقبل هذا تارة ويقبل هذا أخرى، فقال: يا رسول الله إن لي عشرة من الأولاد ما قبلت واحداً منهم، فقال رسول الله : «ما عليّ منك أن نزع الله الرحمة منك»[4] ، وفي الوسائل[5] قال : «من لا يرحم لا يرحم».
فينبغي أن يعيش الولد في ظل المحبة والحنان منذ صغره.
المجتمع والسلم:
والإسلام يأمر كل أبناء المجتمع أن يعطفوا على الصغير وهذه من آداب الإسلام ومن توجيهاته السامية، كما قال رسول الله : «وقروا كباركم وارحموا صغاركم»[6] .
إنه يُريد للإنسان أن يعيش في مجتمع تسوده الرحمة وليس فقط ضمن العائلة، وبذلك تنعكس هذه التربية على سلوكه فتراه يحترم هذا ويُقدّر ذاك، ويصل أرحامه، ولا يُؤذي جيرانه. وفي الإسلام تعاليم خاصة باليتيم لأنه فقد أحد الوالدين باعتبارهما الجهة التي تغمره بالعطف والرحمة بشكل أساسي, لذا يأمر الإسلام بأن تكون لليتيم معاملة خاصة، يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾[7] ، لكي يتربى هذا اليتيم في ذات الأجواء التي يُشجّع عليها الإسلام، وهي أجواء الرحمة والسلام.
أما إذا تربى الإنسان في أجواء قاسية جافة، لا أحد حوله، ولا أحد يعطف عليه، فهذا الإنسان لا يُمكن أن تتوقّع منه إلا ذات الطريقة التي عاشها في صغره، فقد يكون عنده حس انتقام من المجتمع ومن المحيط حوله، يتعامل بنفس الجفاف والقسوة.
ولهذا تجد الإسلام يحذر من وجود حالات الفقر والحاجة والظلم في المجتمع لما تنتجه هذه الحالات من ردات فعل سلبية تجاه المجتمع، ولهذا ورد في الحديث عن رسول الله قال: «كاد الفقر أن يكون كفرا»[8] . كما أن لأبي ذر الغفاري كلمة جميلة يقول: إذا ذهب الفقر إلى بلدٍ قال له الكفر خذني معك[9]
تحية الإسلامولأن الإسلام يحرص على أن يعيش الإنسان في ظل ثقافة السلم والسلام، وهذا أمرٌ واضحٌ جداً، لذا شرّع بدأ من تراه بقول: (السلام عليكم ورحمة الله) جاعلاً من هذه التحية أجلى الصور لذلك، فقد ورد عن رسول الله أنه قال: «إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم»[10] ، وورد عنه : «أبخل الناس من بخل بالسلام»[11] . وجاء عن أبي جعفر الباقر أنه قال: «إنّ الله عز وجل يحب إفشاء السلام»[12] ، وتعاليم الإسلام تشجّع على البدء بالسلام، حيث جعلته مستحبا، ورد عن رسول الله أنه قال: «السلام تطوع والرد فريضة»[13] ، وبالسلام يُرسل الإنسان رسالة اطمئنان لمن يلتقيه وكأنه يقول له: لن تنال مني إلا خيراً.
بين الأنانية وحب الغير:
وهكذا يوفر الإسلام هذه الثقافة للإنسان بحيث يكون مهيأ للسلم والتعاون مع الآخرين في حياته، فتدفعه هذه الثقافة للتفكير في الآخرين لا أن يركز على نفسه، وفي المقابل فإن الثقافة التي تنتج العنف هي ثقافة تجعل الإنسان أنانياً متمحوراً حول ذاته ورغباته مصالحه، ولا يهمه أمر الآخرين، هذه الثقافة تهيئ أرضية العنف لدى الإنسان، لأنه لا يبالي بالآخرين ويهتم بنفسه فقط. وقد تكون مصالحه تقتضي منه أن يعتدي على الآخرين.
وهنا مسألة مهمة: ثقافة الإسلام والتربية الإسلامية تُربي الإنسان على أن لا يهتم بنفسه فقط، إذ عليه أن يهتم بالآخرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾[14] ، إي الإحسان إلى الآخرين. وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: «الخلق عيال الله عز وجل فأحبهم إليه أنفعهم لعياله»[15] .
وهذه الثقافة توجه الإنسان إلى أن أهم لذة تحققها ليست تحقيق رغباتك الشخصية المادية، بل هي تلك اللذة المعنوية التي تكمن في خدمتك الآخرين.
وقد سئل أحد العلماء الصالحين: إذا لم يبقَ من عمرك إلا ساعة واحدة ففيما كنت تصرفها؟
قال: أجلس على باب داري انتظر صاحب حاجة فأقضي له حاجته. وهذه هي تعاليم الإسلام.
وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ توجّه الإنسان للاهتمام بحاجات الآخرين، بل يحض القرآن على الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَو كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾[16] ، ويروي لنا من سيرة أهل البيت أروع الأمثلة في ذلك، يقول تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾[17] ، هذه الآية تحكي القصة المعروفة[18] عن أهل البيت ، عائلة كاملة صائمون: علي وفاطمة والحسنان وخادمتهم، وعند الإفطار يقدّمون كل الطعام لمسكين ويبيتون جوعاً، وفي اليوم الثاني يأتيهم يتيم، وفي اليوم الثالث يأتيهم أسير، وفي الثلاثة أيام يقدمون طعامهم إلى آخرين إيثاراً منهم، ولذا خلّد القرآن هذه الحادثة العظيمة.
وفي التاريخ الإسلامي أحداث كثيرة تُجسّد هذه الثقافة، ففي إحدى المعارك الإسلامية، قال أحدهم: أتيت أتفقد الجرحى وكان عندي ماء، فأتيت ابن عمي وقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم فإذا أنا برجل يقول: آه! آه!
فأشار إلي أن انطلق إليه، فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم. فسمع آخر يقول: آه! آه!
فأشار أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى الثاني فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات[19] .
وهكذا نجد عمق الإيثار لدى أصحاب رسول الله .
وهذه الثقافة تجعل الإنسان يتوقف أمام الاعتداء على الآخرين، سواءً على دمائهم أو على أرواحهم أو على أموالهم. ففي الحديث عن رسول الله أنه قال: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه»[20] .
من جانب آخر فإن ثقافة القرآن تعتبر الاعتداء على شخص واحد اعتداءٌ على البشرية كلها: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾[21] . وفي الحديث عن رسول الله أنه قال: «لزوال الدنيا جميعاً أهون عند الله من دم يسفك بغير حق»[22] .
فهذه الثقافة تربي على رعاية حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليهم قال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (المائدة، 87)، وورد في الحديث عن أبي عبدالله أنه قال: «من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينية: آيس من رحمة الله»[23] .
وفي الرواية أن النبي بعد إكمال أعمال منى وقف بالمسلمين وقال: «يا أيها الناس أي يوم هذا؟» قالوا: يوم حرام، ثم قال: «يا أيها الناس فأي شهر هذا؟» قالوا: شهر حرام، قال: «أيها الناس أي بلد هذا؟» قالوا: بلد حرام، قال: «فإن الله عز وجل حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه»[24] .
فهذه هي الثقافة التي تربي الإنسان حتى يمتنع عن العدوان على الآخرين في المقابل هناك ثقافة تركز على ذاتية الإنسان.
ثقافة العصر المادية:
ومن المؤسف أن البشرية اليوم تعيش في ظل ثقافة تنتج العنف وتربي على العنف، هذه الثقافة المادية التي تركز على محورية الذات وتحرّض شهوات الإنسان وغرائزه، وتوفر عبر الإعلام مختلف الوسائل التي تدعم هذا التوجه.
وهذه الثقافة التي تمجد القوة وتمجد الغلبة, وتغرس في الناس هذا التوجه، حتى الأطفال، من خلال أفلام الكرتون والتي في غالبها ثقافة عنف.
إضافةً إلى أن مناظر العنف والدماء والقتل ما عادت مستنكرة كما في الماضي، فيومياً وفي نشرات الأخبار يرى الإنسان الأشلاء والجثث والقتلى والدمار, هذه المناظر التي كان الإنسان في الماضي ينهار بمجرد أن يسمع عنها لا أن يراها، أصبحت اليوم أمراً مألوفاً وطبيعياً عند الصغار والكبار. هذه المظاهر تنتج العنف وتروج له في المجتمعات. ولذلك تعاني مختلف المجتمعات من العنف والجريمة ففي أمريكا في كل ثانيتين ونصف تقع جريمة، ويوجد في أمريكا أكثر من 5 آلاف عصابة إجرامية منظمة, وفي إحصائية أجريت على مجموعة كبيرة من الأمريكيين، وقد سئلوا: ما أبرز المشاكل التي تواجهونها: فكان ما نسبته 21% أجابوا: جرائم العنف. و40 % من الأمريكيين يضطرون إلى تغيير نمط حياتهم خوفاً من الجرائم والمجرمين.
ومجتمعنا باعتباره جزء من هذا العالم وتصله هذه الثقافة وأنماط السلوك المختلفة، لذلك أصبحنا نعيش مثل هذه المشكلة في مجتمعاتنا.
المحور الثاني: العنف وتهديد الأمن الاجتماعي
حينما تصبح حالات العنف طبيعية أمام الناس، وحينما تمجد أصحاب القوة بدلاً من الوقوف مع المظلوم، هنا يُهدد أمن المجتمع. في حين أن ثقافة الإسلام تأمر المجتمع بالتعاطف مع المظلوم وإدانة الظالم. والقرآن الكريم يُخلّد إدانة لظلم وقع قبل آلاف السنين، لاعتداء وقع على مجموعة مؤمنة بغير حق، يقول تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾[25] . هكذا يُبرز القرآن هذه الحادثة وبهذا التهويل







رد مع اقتباس
المفضلات