الزجاج «۱»
مادة عديمة اللون تصنع اساسا من السليكا المصهور في درجات حرارة عالية مع حمض البوريك او الفوسفات. يوجد الزجاج في الطبيعة كما يوجد ايضا في المواد البركانية التي تسمى الزجاج البركاني، او في المواد التي تنشأ من النيازك. وليس الزجاج صلبا ولا سائلا، وانما يكون في حالة خاصة تظهر فيها جزيئاته بشكل عشوائي. ولكن يوجد تماسك كاف لاحداث اتحاد كيميائي بينها، وعندما يتم تبريد الزجاج، يصل الى حالته الصلبة ولكن من دون تبلور. ومع تعريضه للحرارة، يتحول الزجاج الى سائل. وعادة يكون الزجاج شفافا ولكنه قد يكون غير شفاف او نصف شفاف ايضا، ويختلف لونه تبعا لمكوناته.
يكون الزجاج المصهور كاللدائن بحيث يمكن تشكيله باستخدام عدة تقنيات. ومن الممكن تقطيع الزجاج عندما يكون باردا. وفي درجات الحرارة المنخفضة يكون الزجاج هشا وينكسر. ولمثل هذه المواد الطبيعية كالزجاج البركاني والتيكتيت مكونات وخصائص تشبه الزجاج الصناعي والمكونات الاساسية للزجاج هي السليكا المشتقة من الرمل والصوان والكوارتز. وتصهر السليكا في درجات حرارة عالية جدا لانتاج زجاج السليكا المصهور. ويتم انتاج انواع مختلفة من الزجاج باتحاد السليكا مع مواد خام اخرى، بنسب مختلفة. وهناك مركبات قلوية، مثل كربونات الصوديوم وكربونات البوتاسيوم، تقلل من درجة حرارة الصهر ولزوجة السليكا ينصهر الزجاج عادة عند درجة حرارة عالية ولا يتمدد او ينكمش بدرجة كبيرة مع تغير درجات الحرارة. ومن ثم يكون مناسبا لانتاج الادوات التي تستخدم في المعامل والاشياء التي تكون عرضة للصدمات الحرارية، مثل مرايا التليسكوب. ويعتبر الزجاج موصلا ردئيا لكل من الحرارة والكهرباء، وبالتالي فهو مفيد للعوازل الكهربائية والحرارية.
يعود تاريخ صناعة الزجاج الى عام ۲۰۰۰ قبل الميلاد. ومنذ ذلك الحين، دخل الزجاج في اغراض عديدة من حياة الانسان اليومية. فتم استخدامه في صناعة الآنية المفيدة والمواد الزخرفية ومواد الزينة بما في ذلك المجوهرات. كما كان له تطبيقاته الصناعية والمعمارية. ولقد كانت اقدم المواد الزجاجية عبارة عن خرزات، حيث لم يتم التوصل الى الآنية المجوفة، حتى عام ۱۵۰۰ قبل الميلاد.
يعتبر الصناع الآسيويون هم اول من ارسى صناعة الزجاج، ومنهم انتقلت الصناعة الى مصر، حيث ترجع اول آنية زجاجية الى حكم «تحتمس الثالث» «۱۵۰۴-۱۴۵۰ قبل الميلاد». وقد ظلت صناعة الزجاج منتعشة في مصر، حتى حوالي عام ۱۲۰۰ قبل الميلاد، ثم توقفت فعليا لعدة قرون من الزمان. وفي القرن التاسع قبل الميلاد، ظهرت كل من سوريا والعراق كمراكز لصناعة الزجاج، وامتدت الصناعة عبر منطقة البحر المتوسط. وفي العصر الاغريقي، اضطلعت مصر بدور رئيسي في تزويد القصور الملكية بالزجاج الفخم، حيث كان يصنع في الاسكندرية. وفي القرن الاول قبل الميلاد، تم التوصل الى عملية نفخ الزجاج في سواحل فينيقيا، وفي العصر الروماني، كانت صناعة الزجاج منتشرة في مناطق متعددة من الامبراطورية الرومانية.
قبل اختراع انبوبة نفخ الزجاج، كانت هناك طرق عديدة لتشكيل وتزيين الاشياء المصنوعة من الزجاج الملون، سواء الزجاج نصف الشفاف او المعتم، حيث يتم تقطيع وتشكيل بعض الاشياء من كتل الزجاج الصلبة. ومن صانعي الآنية والمواد المعدنية، اقتبس صناع الزجاج عمليات السبك، حيث كان يتم صب الزجاج المصهور في قوالب لانتاج الحشو والتماثيل الصغيرة والآنية المفتوحة مثل الاكواب والاوعية. وكان يتم تسخين قضبان الزجاج المشكلة مسبقا وصهرها معا في قالب للحصول على «شريط» زجاجي. وقد تم عمل نماذج معقدة جدا باستخدام تقنية الفسيفساء، حيث يتم صهر العناصر في قضيب، ثم تؤخذ هذه العناصر لتعطي تصميما على شكل متقاطع. كما كان يتم ترتيب شرائح من هذه القضبان في قالب لتشكيل وعاء او لوحة، ثم تسخن حتى تنصهر.
اما اغلب الصناعات الزجاجية قبل العصر الروماني، فقد كان يتم تشكيلها باستخدام تقنية الجزء المركزي، حيث كان يتم تثبيت خليط من الطين والروث على قضيب معدني، ثم يعطي الشكل الداخلي للوعاء المطلوب. ثم يتم غمسه في بوتقة من الزجاج المصهور او تلف بخيوط من الزجاج، ثم يعاد تسخينه باستمرار، وبعدها يصقل على حجر مسطح. وعلى هذا الشكل تتدلى خيوط زجاجية مختلفة الالوان، مكونة انماطا تشبه الاجنحة على درجة عالية من الروعة، كما هو مشاهد في الزجاج المصري الذي خلفته الاسرتان الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. كما تم اضافة المقابض والاقدام والرقبة وتعريض هذا الشكل للتبريد. وبعدها يسحب القضيب ويستخرج الجزء الذي يشغل الجزء المركزي. وبهذه الطريقة كانت تصنع حاويات مستحضرات التجميل والآنية الصغيرة الحجم.
ومنذ بداية القرن السادس قبل الميلاد، اخذت هذه الاشياء تصميمات الآنية الفخارية نفسها في العصر اليوناني.
ومع بداية القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، اخذ صناع الزجاج المسلمون الاساليب الفارسية القديمة في صناعة الزجاج من حيث تقطيعه وتشكيله، حيث انتج المسلمون آنية ذات بروز عالية. وكان الكثير من هذه البروز تصور موضوعات تتعلق بالحيوانات. كما قام المسلمون ايضا بانتاج زجاج عديم اللون على درجة عالية من الجودة وعليه تصميمات دقيقة كالعجلات. وقد زادت امكانيات الزخرفة مع التوصل الى الوان الطلاء الزخرفية والطلاء بالذهب. وقد كانت مصانع الزجاج في حلب ودمشق مشهورة بهذه الامكانيات الزخرفية. وفي مصر اخترعت انسجة الصقل التي ادت الى ظهور تأثيرات معدنية براقة بالوان كالبني والاصفر والاحمر، واستعملت في كل من صناعة الفخار والزجاج. وقد دهنت مصابيح المساجد والآنية والاكواب والزجاجات بنقوش هندسية اسلامية متناغمة.




رد مع اقتباس
المفضلات