"نفذي ما أقوله لك فقط.. فأنا سأسافر اليوم ولن أكون موجودا للتدخل وتحويل المواقف. أريد أن يمر اليومان بسلام إلى أن أعود وأجد مخرجا للمأزق الجديد الذي أقحمتنا فيه".
هتفت:
"أنا..!!"
ووجهي يملؤه التعجب وعدم الفهم.. فأبعد وليد يده عني.. ثم نهض واقفا وأراد مغادرة المطبخ. قلت محتجة:
"وليد انتظر أنت لم توضح لي شيئا".
فأشار بيده لي أن أصمت.. ثم قال:
"لاحقا يا رغد.. ليس وقته الآن.. افعلي فقط ما طلبته منك".
وانصرف.
لم أطق صبرا مع كل هذا الغموض.. توجهت إلى غرفتي وطلبت من الخادمة المغادرة, وتناولت هاتفي المحمول واتصلت بصديقتي مرح..
لكم أن تتصوروا الدهشة التي اجتاحتني عندما علمت من مرح..أن.. أن... إه.. أن والدها وعمها.. تقدما بطلب يدي للزواج من... من شقيقها الرسام.. الأستاذ عارف.. الذي حضرت معه معرضه الفني أمس الأول.. ورآني صدفة هناك!!!!
"لا يارغد.. كنا سنتقدم لخطبتك حتى قبل أن يراك فأمي وأختاي أعجبن بك عندما زرناكم بعد خروجك من المستشفى.. وأيدتا ترشيحي في الحال".
وعادت بي الذكرى بسرعة إلى تلك الليلة.. حيث دعونا آل منذر للعشاء عندنا وحضرت أم مرح وأختاها.. أذكر أنني ليلتها كنت منزعجة لأنهن سلطن اهتمامن على الشقراء التي سرقت الأضواء مني.. ولم أكن لألحظ أن عيونا خفية كانت تراقبني أنا....!
انتبهت من لحظة الذكرى على صوت مرح تقول:
"وكنا نريد زيارتكم لو لا أنكم سافرتم... أما عارف فهو يثق في اختيارنا.. وعندما قلت أن ستحضرين المعرض خطرت ببالي فكرة أن أريكما بعضكما البعض وعارف ألح بأن يزوركم البارحة.. وأخي شخص مهذب وراغب في الزواج بكل جدية".
وكانت نبرتها تمزج بين الضيق والعتب... فقلت مهدئة إياها:
"ليس قصدي عكس ذلك لا سمح الله.. إنما.. آه.. لماذا لم تخبريني عن هذا سابقا؟"
فأجابت بذات النبرة.. وهي نبرة لم أعتد سماعها من مرح التي لطالما غلب المزح والمرح على أسلوبها:
"لمحت لك تلميحا خفيفا... لم أستطع التحدث معك مباشرة.. أنت خجولة جدا وخشيت أن أحرجك أو أن تغيري رأيك في حضور المعرض.. ولم تسنح الفرصة قبل ذلك بسبب سفرك".
قلت:
"لكن يا مرح".
فقاطعتني مرح قائلة:
"لكن ماذا يا رغد؟؟ أنتم تشعروننا بأننا ارتكبنا خطيئة بعرض الزواج هذا!"
فاجأني رد مرح فقلت:
"لم تقولين هذا؟"
فقالت:
"أنت تحققين معي الآن وكأنني متهمة.. وأبوك وأخوه لسعا أخي بنظراتهما البارحة
ولم يتفوها بكلمة واحدة ولو من باب المجاملة تشير إلى أنهما يرحبان بالعرض أو يقدران أصحابه.. لقد أخبرني عارف بأنهم غادروا ولديهم الانطباع بأن العرض مرفوض قبل دراسته.. وكأن عائلتكم لا تتشرف بالرتباط بعائلتنا".
قلت بسرعة نافية:
"ما الذي تقولينه يا مرح الأمر ليس كلك إطلاقا".
فسألت:
"إذن ماذا؟؟"
فقلت:
"إنه أكبر بكثير مما تظنين..."
بعد حديثي معها جلست أفكر طويلا... لم أكن أتوقع أن يكون الأمر هكذا... ما الذي سأفعله وكيف سأتصرف؟؟
بعد حوالي الأربعين دقيقة خرجت من غرفتي قاصدة الذهاب إلى غرفة المعيشة ورأيت وليد هناك يجلس على طرف أحد المقاعد ويبدو عليه الاضطراب ولما رآني سأل:
"ألم يعد سامر؟"
فأجبت:
"لا أعرف. لا أظن فأنا لم أسمع صوت الباب".
وهنا سمعت صوت الباب الخارجي, فوقف وليد ثم قال بصوت هامس:
"لا تنسي ما قلته لك".
فأومأت برأسي.. وخطوت إلى الداخل.
وافانا سامر مباشرة ولم يلق التحية بل ألقى علينا نظرة سريعة ثم هم بالانصراف.
ناداه وليد وقال:
"تأخرت يا سامر.. ألا تعلم أن لدي رحلة هذه الظهيرة؟؟ بالكاد يتسع الوقت للوصول للمطار".
فالتفت سامر إليه ثم ألقى نظرة على ساعة يده ثم قال:
"لا يزال الوقت كافيا".
ثم استدار إلى الباب ثم توقف واستدار نحو وليد وقال:
"على فكرة وليد.. لقد حجزت مقعدا على نفس الطائرة".
واستدار وولى منصرفا نحو الدرج!
لم يعط وليد الذهول فرصة لتملكه, بل أسرع عقب أخيه وهو يناديه إلى أن أدركه عند أسفل السلم.. ولحقت بهما في اندهاش شديد..
قال وليد:
"ماا تقصد؟؟"
فأجاب سامر وهو يرفع قدمه إلى الدرجة الأولى:
"أقصد أنني سأسافر أيضا إلى الشمال الآن".
وتابع خطواته فهتف وليد:
"سامر قف هنا وكلمني..."
فتوقف سامر بعد بضع درجات وأرسل نظراته إلى وليد... وتسللت إحداها إلي فقرصتني...
قال وليد:
"ماذا تعني بتصرفك هذا؟؟"
أجاب سامر وصوته يعلو ويحتد:
"لا أعني شيئا. لدي أشياء ضرورية لأحضرها وأمور مهمة لأنجزها في المدينة التجارية.. تعرف أن سفري كان مفاجئا وعاجلا جدا".
فقال وليد بصبر نافذ:
"ولكنني سأسافر الآن.. فهل تريد أن نسافر كلانا ونترك المنزل ومن فيه هكذا؟؟"
وأصابتني الفكرة بالرعب... فقال سامر:
"عد ليلا فهناك رحلة مناسبة هذا المساء".
ثم تابع صعود الدرجات حتى اختفى عن أنظارنا.. وقف وليد برهة كمن يحاول استيعاب ما سمع, ثم صعد الدرجات ليلحق بسامر..
استوقفته وقلت مرعوبة من الفكرة:
"أنا لا أستطيع البقاء وحدي".
فالتفت إلي وقال:
"وهل ترينني بهذا الجنون لأفعل هذا؟؟"
وواصل صعوده حتى اختفى هو الآخر عن ناظري...
****************************