قلت:
"لا تغضب مني".
حملق بي وليد في صمت ثم ضغط بإصبعه على المنطقة بين حاجبيه ثم قال:
"لست غاضبا... لكنني تعب من تقلبات مزاجك هذه يا رغد..."
ثم تابع بصوت راج:
"أعطيني فترة نقاهة أرخي فيها أعصابي المشدودة قبل أن تنقطع".
فسرت الإرخاء الذي يقصده على أنه أروى... فهيجني المعنى وقلت منفلتة من جديد:
"وأعصابك هذه لا تسترخي إلا مع الشقراء؟"
نظر إلي بتعجب وتابعت:
"أما أما.. فأعصابي لن تستريح ومزاجي لن يصفو إلا إذا أرسلتها للمزرعة وأبعدتها عني نهائيا".
مرر وليد أصابع في شعره كما يفعل عندما يتوتر... ثم زفر:
"يا صبر أيوب".
وأحسست بالجملة تطعن قلبي.. فقلت ثائرة:
"يلزمك صبر بحجم المحيط إن كنت ستبقيها أمام عيني تصول وتجول...
وأنا معاقة بهذا الشكل.. لتتحمل النتائج.. قلت لك أنني أكرهها ولا أريد رؤية وجهها ثانية...
إنها حتى لم تفكر في الاعتذار عما سببته لي... بل لا بد أنها فرحة بإصابتي وتشمت بي..
وأنا أفضل الموت حرقا على أن أراها تجول أمام ناظري بكل حرية".
ربما بالغت بالتعبير عن غيظي الشديد أمام وليد... هو وضع يديه على صدغيه ثم هتف بقوة:
"حاضر... حاضر يا رغد... حاضر... سأرسلها إلى المزرعة وأخلصك من كل هذا... أفعل أي شيء لأجلك... ماذا تأمرين بعد؟ فقط أريحيني..."
وضرب الباب بقبضته بقوة وانصرف...

*************

وعدت إلى غرفة المعيشة والمجاورة لغرفة رغد فوجدت أروى لا تزال هناك...
واقفة عند الباب وتستمع إلى شجارنا...
لم تتحدث بل ألقت علي نظرة خيبة سريعة ثم غادرت المكان...
قبل قليل كنت أحاول مصالحتها وتوضيح بعض الأمور العالقة منذ أيام...
إننا متخاصمان والجو مربوك للغاية وكلما حاولت التقرب منها صدتني بجملة: (أعدني إلى المزرعة).
أحاول بذل جهودي لإقناعها بالعدول عن الفكرة حاليا ولكن...
وإن كان هناك شعرة أمل واحدة فإن رغد بكلامها الأخير هذا... قطعتها...
رغد كانت بصحة مقبولة مُذ غادرت المستشفى وتقبلت بعد جهد فكرة السير على العكاز...
والأمور سارت على نحو مرضٍ إلى أن انتهت حفلت العشاء الصغيرة التي أقمتها إحتفالا بسلامتها...
وأعتقد... بل أنا على يقين من أن سبب تدهورها المفاجىء هو مقابلة أروى...
إن علي ألا أقف مكتوف اليدين وأترك الفتاة تتخبط وتنهار من جديد... في السابق كانت تنشغل في الجامعة وفي الدراسة...
أما وهي حبيسة الجبيرة والمنزل... فإن اصطدامها بأروى سيسبب كارثة نفسية لها...
ولأن الوضع لم يكن ليطاق البتة فقد انتهى قراري إلى أن اشتري تذاكر السفر عاجلا...
"لا بأس.. فنحن أعددنا أمتعتنا منذ أيام يا بني وسنضيف ما يلزم".
أجابتني الخالة حين أخبرتها بعد أن عدت من شركة الطيران في اليوم التالي...
قلت:
"جيد. وهلا ساعدت رغد في تجهيز أمتعتها؟"
"بكل تأكيد".
سألت:
"بالمناسبة هل هي مستيقضة؟"
فأننا لم أرها أو أعرف عنها شيئا منذ البارحة... ولا أعرف بأي مزاج استيقضت هذا الصباح!
ردت الخالة:
"نعم. انهت حمامها وطعامها قبل قليل فقد رأيت الخادمة تخرج بالأطباق من غرفتها".
قلت:
"إذن رجاء أعلميها بأنني أود التحدث معها".