--------
" سآوي إلى فراشي مباشرةً ... و سأترك هاتفي عند وسادتي...
اتصلا إن احتجتما أي شيء في أي وقت و بدون تردد"
قلتُ و أنا أنقل بصري بين رغد و الخالة... رغد أومأتْ موافِقة، و الخالة قالتْ مطمئِنة:
" لا تقلق يا بني. سنتصل عند الضرورة. اذهب و نم مطمئنا مسترخيا "
التفتُ إلى رغد و أطلتُ النظر...
لم يكن قلبي بقادر على المغادرة لكن و لم أثق في موافقتها هذه...
لكنّي كنت في غاية الإرهاق و بحاجة ماسة للنوم...
مددتُ يدي إليها و ربتُ على يدها و قلت ُ بصوت هادئ و حنون :
" حسنا صغيرتي... أتركك ِ في رعاية الله...
ابقي هادئة رجاءً ... سوف لن أطيل الغياب "
الصغيرة شدّتْ على يدي و حملقتْ بي
و ربما كان لسان حالها يقول (لا تذهب)
لكنها أجبرتْ فمها على التقوس في شبه ابتسامة مترددة...
و ما كان منّي إلا أن شددتُ على يدها و قلتُ أخيرا بأحن صوت:
" أراكِ على خير و عافية... يا صغيرتي "
و هكذا تركتها أخيرا و عدتُ إلى البيت مثقلا بالتعب و الهموم...
في المنزل سرتُ ببطءٍ شديد حتى بلغتُ أسفل الدرج...
و تذكرتُ صراخ رغد ليلة الحادثة فقرصني الألم في قلبي...
صعدتُه خطوةً خطوة... و أنا مستمر في إنعاش صدى صرخاتها...
و انعكاس صورة وجهها المتألم...
و قادتني قدماي بشعور أو بغير شعور... ليس إلى غرفتي... بل إلى غرفتها...
دخلتُ الغرفة متجاوزاً كل اعتبار...
و أخذتُ أحلّق بأنظاري في أرجائها... و أعانق بيدي جدرانها...
على الجدار الكائن خلف سرير رغد... كانتْ الورقة القديمة...
للصورة التي رسمتها رغد لي... بشاربي الطويل...
لا تزال تقف و منذ سنين... بكل بشموخ...
لم تحتمل عيناي رؤيتها... وسرعان ما خرّتْ دموعي صريعة الأسى...
جلستُ على حافة السرير... و مسّدتُ على الوسادة كما لو كانت هي صغيرتي...
بكل عطف و حنان... فإذا بي أشعر بحبيبات رمل تعلق بكفي...
و ألقي عليها نظرة فإذا بها ذرات السكر...
جذبتها إليّ و ضممتها إلى صدري...
و هو أمر لم استطع أن أقدّمه لفتاتي المرعوبة... عوضا عن وسادتها...
و كلّما تذكّرتُ كيف كانت مرحة و سعيدة جدا و نحنُ في النزهة أوّل الليل...
ثم كيف صارتْ كومة من البؤس و الألم و الصراخ...
ملقاة على السرير الأبيض التعيس آخره... عصرتها أكثر بين ذراعي...
انتابني شعور بنيران تحرق معدتي... و كأنها تنعصر قهراً مع الوسادة و تأوهتُ بألم...
" آه يا رغد... "
رفعتُ يدي من على الوسادة إلى السماء و زفرتُ الآهة مصحوبة باستغاثة يا رب...
" يا رب... يا رب... أنت تعرف أنني لا أعزّ شيئا في هذه الدنيا مثل رغد... يا رب...
أنا أتحمّل أيّ بلا ٍ ... إلا فيها... أتوسّل إليك يا رب...
ألطـُف بحالي و حالها... أتوسّل إليك... اشفِها و أخرجها سالمةً...
و أعدها كما كانتً... يا رب... خـُذ من صحّـتي و أعطِها...
و خـُذ من عمري و هبها... خـُذ منّي أي شيء... كل شيء... و احفظها لي سالمة...
هي فقط... أنا لا أتحمّل أن يصيبها أيّ شيء... يا رب... أيّ شيء....
إلاّ رغد يا رب... أرجوك... لا تفجعني فيها... أنا أختنق يا رب... إلهي... أرجوك...
اجعل لي من لطفكِ فرجاً عاجلاً... عاجلاً يا رب... عاجلاً يا رب... يا رب... "
و لو بقيتُ ها هنا لزهقتْ روحي من فرط المرارة ...
غادرتُ غرفة رغد و أنا شاعرٌ بها تملأ رئتي...
أزفرها و أستنشقها مع كل أنفاسي و أناتي...
ذهبتُ إلى غرفتي و قضيتُ زمنا أناجي الله و أدعوه و أصلّي له...
حتى سكنتْ نفسي و اطمأنّ قلبي و ارتاح بالي...
و فوّضتُ أمري إلى الله اللطيف الرحيم...
أخيرا ... رميتُ برأسي المثقل على الوسادة...
و نشرتُ أطرافي على فراشي بعشوائية... أخيرا سأستسلم للنوم...
أغمضتُ عينيّ بسلام... فإذا بي أتخيّل رغد من جديد...
فتحتهما فرأيتها أمامي... لففتُ رأسي ذات اليمين ثم ذات الشمال...
وكانت هي هناك... في كل مكان...
رفعتُ وسادتي و وضعتها على وجهي لأحول دون صورة رغد التي لم ترحم بحالتي تلك الساعة...
أرجوك ِ كفى! لماذا عدت ِ؟ دعيني أنام و لو لساعة! أرجوكِ يا رغد... رأفة ً بي...
لكنني رأيتها تحت الوسادة
و لو قلبتُ وجهي على السرير لرأيتها فوقه أيضا تحاصرني كالهواء من كل الجهات
فجأة... تذكرتُ شيئا... لم يكن ينقصني تذكّره في تلك الساعة التعيسة...