--------
" ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ أخيراً...
و لازلتُ متخوفاً من أنها قد تنهار في أيةِ لحظةٍ و لستُ مطمئناً لتركها وحدها مع الخالة...
لكن... إنها مستشفى و لها قوانينها و أنظمتها و بقائي هنا طوال الوقت أمر غير لائق "
بعد صمت ٍ قصير سألني :
" كيف وقعتْ ؟ "
أجبتُ :
" لا أعرف يا سيف. تشاجرتْ مع أروى... هما و منذ أيام متخاصمتان...
تشاجرتا معا و كانتا تقفان على درجات السلّم... و وقعتا سويةً... لكنّ الإصابة اختارتْ رغد "
و تنفستُ عميقاً ثم قلتُ :
" لم يحدث أن تعاركتا بالأيدي و لكن... يبدو أن هذا ما حصل على السلّم...
فوقعتا... و أصيبتْ رغد "
تنهدتُ و واصلتُ :
" أنا خائفٌ عليها يا سيف...
خائفٌ أن يسبّب الجرح مشكلةً مزمنة في رِجـْـل الفتاة... أو يدها"
قال سيف مباشرة:
" لا قدّر الله... تفاءل بالخير يا رجل "
تنهدتُ مجددا و قلتُ :
" الأمر بالنسبة لي... قضاء أحمد الله على لطفه فيه...
و الطبيب طمأننا جداً... لكن... يظلّ خوفي الأساسي على الفتاة و نفسيتها...
إنها صغيرةً و ضعيفةً جدا... لن تحتمل شيئاً كهذا...
بل إنّ مجرّد تفكيرها في احتمال وقوعه يرسلها إلى الجحيم...
الصغيرة قد لاقتْ من البلاء الكثير حتى اليوم... منذ الطفولة يا سيف و هي تعاني...
اليتم... و عمّار القذر... و فقد والديّ... و الحرب...
و التشرّد و الغربة و الوحدة... كل هذا... على قلب فتاة صغيرةٍ بريئةٍ هشّةٍ...
قل لي يا سيف من يحتمل ذلك؟؟ و بعد هذا كسرٌ و جبرٌ و عكّاز...
و إعاقة... إن عقل فتاتي يكاد يزول يا سيف... بل إنه قد بدأ يزول فعلاً "
وقبضتُ يدي بشدة و في ألم مرير...
سيف أمسك بقبضتي مشجعاً و حين شعرتُ بدعمه أطلقت ُ العنان لصدري أكثر ليبوح بمخاوفه...
" أنا السبب الحقيقي في هذه الحادثة ! كنتُ أعرف أن التوتّر بينهما وصل حد الخطر...
بل تجاوزه بكثير... كان يجب أن أبعدهما عن بعض منذ زمن...
ليتني فعلتُ ذلك قبل فوات الأوان... تركتُ الأمر يصل إلى حد الكسر !
أوه يا إلهي ! أنا السبب... كيف أقابل ربّي؟؟ بأي وجه سألقى أبي و عمّي؟ و أمّي؟؟
ماذا سأقول لهم ؟؟ لقد أودعتموها أمانةً عظمى في عنقي و أنا...
ببساطةٍ تركتها تتكسّـر ! "
و ضربتُ رأسي بالجدار الذي كان خلفي غضباً من نفسي...
و تمنيتُ لو أنه تحطّم...
أو أن عظامي هي التي انكسرتْ و لا مسّ الصغيرة خدش ٌ واحد...
سيف شدّ على يدي أكثر و نطق ببعض الكلمات المواسية...
التي ما كان أحوجني إليها آنذاك...
بعد ذلك سألني :
" هل... عرف أقاربها بالأمر ؟ "
فتحتُ قبضتي بسرعة و كأنني تذكّرتُهم الآن فقط... فقلتُ و أنا أهزّ رأسي :
" كلا ! لن أخبرهم ! إنهم سيتهمونني بالتقصير في رعايتها...
كانوا سيحرقونني بنظراتهم عندما أخذتها آخر مرّة من بيتهم... "
و تذكرتُ الطريقة التي كانتْ أم حسام تخاطبني بها في آخر لقاء...
و كيف قالتْ لي: (الله الله في اليتيمة)
و كأنها كانتْ تشكُ في أنني سآتي بها يوماً ما مكسورة العظام...!
و الأيام سترينا مدى صدق مخاوفي...
قال سيف:
" لا تحمّل نفسك الذنب يا وليد...
فلنحمد الله على لطفه و ندعوه أن يعجّل الشفاء للمصابة
و يجعل من وراء هذه الحادثة خيراً "
ابتسمتُ بامتنان ثم عانقتُ صديقي مستمداً منه بعض الطاقة و الشجاعة...
بعدها قال :
" بلّغها تحياتي و أمنياتي بالشفاء العاجل...
و إذا احتجتم لأي شيء أو أي مساعدة منّي أو من أم فادي فلا تترددوا رجاء ً "
الساعة الثامنة مساء... انتهى وقتُ الزيارة...
و أتت ْ إحدى موظفات المستشفى لتنبيهنا لذلك...
و أنا واقفٌ إلى جوار رغد... و الخالة قد وصلتْ قبل قليل، و سيف قد غادر.