" يبدو...أن الإصابة جدية يا رغد...
يقول الطبيب أن لديك كسور و أنكِ بحاجة إلى جراحة "
و لو رأيتم مقدار الذعر الذي اكتسح وجه رغد... آه لو رأيتم !!
جفلتْ جفول الموتى...
ثم سحبتْ يدها من بين أصابعي و وضعتها على صدرها هلعا...
و كتمتْ أنفاسها قليلا ثم صاحتْ :
" ماذا !!؟؟ "
حاولتُ تهدئتها و أنا الأحوج لمن يهدئني...
كانت ردة فعلها الأولى مزيجا من الذعر... و الفزع... و الخوف...
و الارتجاف... و النحيب... و الرفض... والبكاء...
و انفعالات يعجز قلب وليد عن تحمّلها و شرحها...
و كانتْ مشوشة التركيز و التفكير بسبب الدواء المخدر
و لا أدري إن كانتْ قد استوعبتْ بالفعل الخبر و ما إذا كانتْ تقصد بإرادة ردود فعلها تلك
أم أن الأمر كان وهما صنعه المخدر...؟؟
بعد أن هدأتْ قليلا و أنا ما أزال قربها أكرر:
" ستكونين بخير...لا تخافي صغيرتي... ستكونين بخير بإذن الله"
قالتْ و هي ممسكة بيدي :
" وليد أرجوك.. لا تتركني وحدي "
قلتُ مؤكدا بسرعة :
" أبدا صغيرتي... سأبقى معكِ طوال الوقت
و لن أبتعد عن باب غرفة العمليات مترا واحدا... اطمئني"
نظرتْ رغد إليّ بتوسل... فكررتُ كلامي مؤكدا... حينها قالتْ :
" هل نحن في الحقيقة؟؟ هل يحصل هذا فعلا؟؟
هل أنا مصابة و في المستشفى؟؟ "
قلتُ بأسى :
" نعم لكن هوّني عليك يا رغد بالله عليك... قطّعتِ نياط قلبي...أرجوكِ يكفي...
الحمد لله على كل حال ... بلاء من الله يا صغيرتي... لا تجزعي..."
ابتلعتْ رغد آخر صيحاتها و حبستْ دموعها و بدأتْ تتنفس بعمق و استسلام...
و بعد قليل نظرتْ إليّ و قالتْ :
" أشعر بنعاس شديد... ماذا حصل لي؟؟
عندما أصحو لا أريد أن أذكر من هذا الكابوس شيئا... أرجوك وليد "
وأغمضتْ عينيها و غابتْ عن الوعي مباشرة...
ناديتها بضع مرات فلم تجبْ... نظرتُ إلى الطبيب فأشار بإصبعه إلى المصل المغذي... ث
م قال:
" علينا الاستعجال الآن... "
و بهذا ذهبتُ مفوضا أمري إلى الله
و أتممتُ الإجراءات المطلوبة و من ثم تم نقل رغد إلى غرفة العمليات...
بقيتُ واقفا على مقربة التهم الهواء في صدري التهاما...
علّه يخمد الحريق المتأجج فيه...
لم يكن معي هاتف و لم أشأ الابتعاد خطوة أخرى عن موقع رغد...
وظللتُ في انتظار خروجها أذرع الممر ذهابا و جيئا و أنا أسير على الجمر المتقد...
و لساني لا ينقطع عن التوسل إلى الله...
إلى أن انتهتْ العملية بعد فترة و رأيتهم يخرجون السرير المتحرك إلى الممر...
لم يكن الطبيب موجودا فلحقتُ بسرعة بالممرضات اللواتي كنّ يقدن السرير
و ألقيتُ نظرة متفحصة على وجه رغد...
كانت هناك قبعة زرقاء شبه شفافة تغطي شعرها
و قارورتان من المصل الوريدي علّقتا على جانبيها تقطران السائل إلى جسمها...
اقتربتُ منها و أنا أنادي باسمها ففتحتْ عينيها
و لا أدري إن كانت رأتني أم لا... ثم أغمضتهما و نامتْ بسلام...
سحبتُ الغطاء حتى غطيتُ رأسها كاملا...
و سرتُ معها جنبا إلى جنب إلى أن أوصلتها الممرضات إلى إحدى الغرف...
و هناك ساعدتُهن في رفعها إلى السرير الأبيض...
و فيما نحن نحملها شاهدتُ الجبيرة تلف يدها و رجلها
فكدتُ أصاب بالإغماء من مرارة المنظر...
شعرتُ بتعب شديد... و كأنني حملتُ جبلا حديديا على ذراعي لعشر سنين...
و تهالكتُ بسرعة على حافة السرير قرب رغد...
و عندما همّتْ إحداهن بتغيير الغطاء أشرتُ إليها بألا تفعل...
و طلبتُ منها أن تلف رأس رغد بوشاحها الأسود...
" متى ستصحو ؟ "
سألتُ بصوت ٍ متبعثر... فأجبنني :
" عما قريب. لا تقلق. من الخير لها أن تبقى نائمة "
سألتُ :