" لكن السفر قد يتعبه... و هو مصر على الذهاب للمدينة الساحلية ... "
و أتمّت بأسى :
" و على أخذي معه "
شعرت من نبرة صوتها بعدم ارتياحها فقلت :
" ألا تريدين الذهاب ؟ "
رغد قالت مباشرة :
" لا أريد... لكن... وليد مصر على اصطحابي معهم...
لن يفيده ذهابي في شيء بل سيسبب له التعطيل و العقبات...
سألت :
" لم تقولين ذلك ؟ "
رغد بدأت تتكلم... و كأنها تشكو إلي ّ ... كأنها ...
كتمت في صدرها آهات عدّة و جمعتها سوية... لتطلقها أمامي...
كأنها ما كادت تصدّق أنها وجدت من تبوح إليه بما يختلج بواطنها...
و كأنها... نسيت ... أن الرجل الذي تتحدّث إليه
و تبثه همومها هو خطيبها السابق الذي كان و لا يزال يعشقها بجنون...
و حين تتألم رغد... ينتشر صدى آلامها في صدري أنا...
" أعرف أنني مصدر إزعاج له... و هم ّ مرمي فوق صدره...
و لكنه لا يريد إزاحتي بعيدا... بل ربما يستمتع بفرض وصايته و سطوته علي !
إنه لا يريد أن أعيش في بيت خالتي و لا يريد أن أتحدّث مع ابنها...
و يفرض علي ما ألبس و متى أخرج و إلى أين أذهب...
في المزرعة و حتى في بيت خالتي "
لم استطع التعقيب على حديثها هذه المرة... فماذا يمكنني القول؟؟
و لكن هل شقيقي... صارم لهذا الحد ؟ هل يقسو على رغد ؟؟
أليست مرتاحة للعيش معه ؟ ألم تكن هذه رغبتها هي ؟؟
تابعت :
" و أنا لا أحتمل العيش مع الشقراء... و هي أيضا لا تطيقني ...
لماذا لا يريد وليد فهم ذلك ؟"
و أيضا لم أعلّق...
و ربما لما رأت رغد صمتي شعرت بخيبة الأمل...
إذ لم تجد منّي أي مواساة أو تفاعل... لذا لاذت بالصمت هي الأخرى...
هناك سؤال ظل يكتم أنفاسي و يخنفني...
لم استطع تحاشيه و لا أدري أي جنون جعلني أطلقه من لساني
بعد كل هذا الصمت و الجمود ..؟؟
" رغد ... "
رغد نظرت إلي و هذه المرة لم أهرب بعيني بعيدا...
بل غصت في أعماق عينيها باحثا عن الجواب... و ليتني لم أجده...
" ألا زلت ِ ... تحبينه ؟ "
بالتأكيد كان هذا آخر سؤال تتوقع منّي رغد طرحه...
خصوصا بعد التزمت و الاختصار الشديد في الحديث معها و تحاشيها قدر الإمكان...
و لم يكن من الصعب علي ّ أو على أي كان أن يستنبط الجواب من هاتين العينين...
تصاعدت الدماء إلى وجنتيها بينما هبطت عيناها إلى الأرض...
هل كان علي أن أطرح بجنون سؤالا كهذا ؟؟
يا لي من أحمق و فاشل...
من حينها لم أتحدّث معها بأي كلمة... حتى وقفت مودعا إياهما في المزرعة...
~~~~~~~
وصلنا إلى المزرعة قرب الغروب...
و استقبلت أورى وليد استقبالا حميما لن يسرني وصفه لكم...
فيما أنا أحترق من شدّة الغيظ...
و أحسنت هي و أمها و خالها الترحيب بي و بسامر...
و عندما خرج سامر مغادرا المنزل فيما بعد تذكّر وليد مفاتيح سيارته فقال :
" المفاتيح مع سامر "
قلت مباشرة :
" سأحضرها "
و انطلقت مسرعة نحو الخارج...
كان سامر على وشك صعود السيارة فهتفت:
" سامر انتظر "
و أقبلت مهرولة إليه ... التفت سامر نحوي مستغربا
و رفع نظارته الشمسية و نظر إلى عيني ّ مباشرة