ساعدت شقيقي على النهوض، و بمجرد أن وقف استند إلي
ثم فجأة تركتي و جثا أرضا و جعل يتقيأ
و أيضا رأيت الدماء تنسكب من جوفه على الأرض...
ما جعلني أزداد فزعا... و ما جعل رغد تقبل نحونا مسرعة و تشهق بقوّة...
شقيقي بدا مريضا جدا... و الواضح أنه مصاب بدوار شديد لا يستطيع معه تحريك رأسه ...
لا شك أن الإصابة قد شملت دماغه...
يا رب... خيب ش####...
بعد ذلك، أسندته إلي ّ مجددا و سرنا مترنحين نحو سيارتي...
تلفحنا الرياح و يغسلنا المطر... و يقرصنا البرد...
و كان وليد رغم حالته الفظيعة تلك و صوته المبحوح ذاك لا يفتأ ينادي :
" تعالي يا رغد "
أما هذه الأخيرة فقد كانت تسير إلى جانبنا ضامّة ذراعيها إلى صدرها يعلوها الذعر...
و تنساب قطرات لامعة على وجهها لا أستطيع الجزم ما إذا كانت من ماء السماء أو ماء العين...
جعلت أخي يضطجع على طول المقاعد الخلفية مثنيا ركبتيه، وقلت مخاطبا رغد :
" اركبي "
و قد كانت لا تزال واقفة إلى جواري عند الباب الخلفي تنظر إلى وليد بهلع
و الأخير قال مؤكدا :
" اركبي يا رغد "
عدت إلى سيارة شقيقي لإغلاقها و جلب المفاتيح و أقبلت ُ مسرعا...
و فور جلوسي على المقعد نزعت نظارتي المبللة
و فركت يدي ّ الباردتين ببعضهما البعض ثم التفت نحو رغد الجالسة إلى جانبي
و سألتها للمرة الأولى :
" هل أنت بخير ؟؟ "
و لكم أن تتصوروا مدى الدهشة التي تملكتها و هي تنظر إلي... !
سألتني مذهولة :
" ماذا فعلت بوجهك ؟؟ "
" لا يهم... ماذا حصل معكما ؟؟ "
أخبرتني رغد بأن وليد كان مريضا
و لكنه قدم إلى المدينة الصناعية ليصطحبها إلى مزرعة
أروى و من ثم ينطلقون إلى المدينة الساحلية من أجل العمل...
و أنه كان يقود بسرعة معتدلة و بدا متعبا ثم انحرف في سيره
و اصطدم بعمود المصباح... و فقد وعيه...
و أن إحدى السيارات قد توقفت للمساعدة لكن وليد صرف راكبيها
و لم يسمح له بتقديم العون...
و هي تتحدث كانت تتوقف لالتقاط أنفاسها أو لإلقاء نظرة على وليد...
و لم يخف َ علي مدى القلق و الهلع الذين كانت تعانيهما آنذاك...
ذهبنا مباشرة إلى إحدى المستشفيات و حضر فريق طبي
و حمل وليد إلى غرفة الطوارئ و بدؤوا بفحصه و علاجه...
و الطبيب يفتح قميصه ليفحصه هالني منظر رهيب...
الكثير من الندب و آثار جروح قديمة مختلفة مبعثرة على جدعه...
لم يسبق لي ملاحظتها قبل اليوم...
أما الطبيب فقد تبادل هو من معه النظرات الغريبة... و علامات التساؤل...
أمر الطبيب بعدها بإجراء فحوصات ضرورية ليتأكد من الحادث لم يؤثر على رأس وليد...
و جعلتنا شكوكه ندور في دوامة الجحيم ... إلى أن ظهرت النتائج مطمئنة و الحمد لله...
ثم أمر بإبقائه في غرفة الملاحظة إلى أن يعيد تقييم حالته
و رجح أن يستلزم الأمر إدخاله للمستشفى...
غرفة الملاحظة تلك كانت تحوي مجموعة من الأسرة لا تفصل بينها أي ستائر...
و هي خاصة بالرجال فقط...
" يمكنك ِ الانتظار هناك "
قال الممرض مخاطبا رغد و مشيرا إلى غرفة الانتظار الخاصة بالسيدات
لكن رغد لم تتزحزح قيد أنملة و بقيت واقفة معي إلى جوار وليد
و لأن الغرفة كانت تخص الرجال و ممتلئة بهم فقد شعرت بحرج الموقف
و قلت مخاطبا وليد الممدد على السرير بين اليقظة و النوم :
" سننتظر في الخارج... سآتي لتفقدك بعد قليل "
وليد فتح عينيه و خاطبني :
" انتبه لها "
ثم وجه نظره إلى رغد ... رغد سألته مباشرة و بلهفة :
" هل أنت بخير ؟ "
وليد قال و هو يغمض عينيه :