و حين تعود دانة من الخارج، فلا أجمل من أن تنضم إلينا...
كنت أريد أن ألملم شمل العائلة المشتتة...
و أن نعود للحياة معا كما كنا قبل أن تفرّقنا الحرب و ظروفها التعيسة...
و لأنني أصبحت أدير أحد أكبر و أهم مصانع المدينة
فإن نفوذي قد اتسع كثيرا و سلطتي قد ارتفعت لحد كبير...
و مع ذلك... لم تخل ُ المسألة من الهمز و اللمز...
و النظرات الماكرة و الهمسات الغادرة ممن عرفوا بأنني قاتل عمّار...
و استقال السيد أسامة من منصبة للأسف... إثر هذا الخبر...
ولاء ً لصديقه الراحل عاطف...
و انتشرت شائعات مختلفة حولي و حول زواجي من أروى...
و وجدت نفسي أكثر وحدة و حاجة للدعم المعنوي و الفعلي ممن أثق بهم...
ألححت على سامر لترك عمله في تلك المدينة
و عرضت عليه العمل معي في المصنع، و هيّأت ُ له منصبا مرموقا مغريا
و لكن سامر كان مترددا جدا
أعربت له عن رغبتي في لم شمل العائلة من جديد...
شرحت له بتفصيل دقيق ظروف عملي الحالي
و كيف أن الحياة تبدلت معي كثيرا... و أنني الآن محتاج إليه أكثر...
غير أن سامر على ما بدا منه كان لا يزال في حداد على والدي ّ لم يفق منه...
و بالنسبة لرغد فقد خططت لإلحاقها بإحدى الجامعات
و خصصت ُ جزء ً من دخلي الخاص من إدارة المصنع لتغطية تكاليف الدراسة...
أما المنزل المحترق، فقد أبقيناه على حاله حتى إشعار آخر...
و تنازلت عن نصيبي فيه وسجلته باسمها أيضا...
أما عن أوضاع البلاد... فلا تزال الفوضى تعم العديد من المدن و تقتحم المزيد...
و السجون قد امتلأت و فاضت بالمعتقلين عدلا أو ظلما...
عندما عدت ُ إلى المدينة الصناعية في المرة التالية
كانت رغد خارج المنزل و استقبلتني أم حسام استقبالا كريما
رغد كانت قد أعلمتني عن رغبتها في قضاء بعض المشاوير الضرورية ذلك اليوم
–وهي تعلمني عن تحركاتها دائما، و قد لاحظت ُ تكرر ذلك مؤخرا -
و رغم انزعاجي من الأمر تركتها تخرج مع ابن خالتها
مطمئنا إلى وجود ابنتي خالتها معها
و عندما علمت بعد ذلك أنهما لم ترافقاها أصبت بنوبة غضب ...
" و هل هي معتادة على أن يوصلها حسام إلى حيث تريد، بمفردهما ؟"
وجهت سؤالي المستنكر إلى أم حسام ففهمت استهجاني و أجابت:
" في مرات قليلة ... "
قلت حانقا :
" و لكن لماذا لم ترافقها إحدى ابنتيك يا خالتي ؟ "
قالت:
" نهلة منهمكة في تعليم سارة دروسها الصعبة...
و لكن لم كل هذا الانزعاج يا بني؟ إنه ابن خالتها و أقرب الناس إليها "
و لم تعجبني هذه الكلمة... فالتزمت الصمت.
و يبدو أن أم حسام وجدتها فرصة ملائمة لطرح موضوع ما فتئ يشغل تفكيرها
و ربما تفكيرنا جميعا ...
" وليد يا بني... ألا ترى أن الأوان قد حان... حتى نربط بينهما شرعيا ؟ "
كنت أخشى أن تفتح الموضوع خصوصا و أنا في وضعي الراهن...
قلت مباشرة :
" إنه ليس بالوقت المناسب "
قالت :
" لماذا ؟ يهديك الله ... أليس ذلك أفضل لنا جميعا؟
ها هما يعيشان في بيت واحد و تعرف كيف هي الأمور... "
قلت بغضب :
" كلا يا خالتي. يستحيل أن أزوّج رغد بالطريقة التي زوّجها والدي بها...
لن أجعلها ضحية للأمر المفروض ثانية... "
أم حسام قالت معترضة :
" أي ضحية يا بني ؟ إنه زواج مقدّس...
و حسام يلح عليّ لعرض الأمر لكنني رأيت تأجيله لحين عودتك...
بصفتك الوصي الرسمي عليها "
نفذ صبري فقلت بفظاظة :
" أرجوك يا أم حسام... أجلي الموضوع لما بعد "