رباه !
كم هو مرعب ! يكاد شعر رأسي يخترق حجابي
و يشع من رأسي كالشمس السوداء !
قال :
" و أنا، لن أبتعد عن هذا المكان خطوة واحدة إلا و أنت معي "
في لحظة حاسمة مرعبة هذه، يتسلل تعليق غبي من ابنة خالتي الصغرى
حين تقول :
" إذن .. نم معنا ! "
جميعنا نظرنا إلى سارة نظرة مستهجنة، تلتها نظرة تفكير، تلتها نظرة استحسان !
قال خالتي :
" تبدو فكرة جيّدة ! لم لا تقضون هذه الليلة معنا ؟ "
وليد اعترض مباشرة، و كذلك أروى ... و بعد نقاش قصير، نظر إلي وليد و قال :
" لهذه الليلة فقط "
معلنا بذلك موافقته على المبيت في بيت خالتي
و إصراره على عدم الخروج من الباب إلا و أنا معه !
يا لهذا الوليد ! من يظن نفسه ؟؟ أبي ؟ أمي ؟ خطيبي ؟؟
لو كان كذلك، ما تركني تائهة وسط دموعي في بيتنا المحروق
بحاجة لحضن يضمني و يد تربّت على كتفي، و وقف كالجبل الجليدي، يتفرّج علي ...
أخرجت لنهلة كل ما كبته في صدري طوال تلك الشهور...
حتى أثقلت صدرها و رأسها،و نامت و تركتني أخاطب نفسي!
كذلك نام الجميع، و مضى الوقت... و أنا في عجز كلي عن النوم
و وليد يلعب فوق جفني ّ ، لذا نهضت عن السرير
و ذهبت إلى الطابق السفلي، بحثا عن وليد !
كنت أدرك أنني لن أتمكن من النوم و لن يهدأ لي بال حتى أراه...
لمحته جالسا في نفس المكان الذي كان يجلس فيه أثناء ( شجارنا )
و كان يبدو غارقا في التفكير العميق...
انسحبت بحذر، إذ إنني لم أكن أريد الظهور أمامه.. فظهوري سيفتح باب للمشادة !
لكني، بعدما رأيته، أستطيع أن أنام قريرة العين !
(نوما هنيئا..يا وليد قلبي !)
جملة أكررها كل ليلة قبيل نومي,,مخاطبة بها صورة وليد المحفورة في جفنيّ...
و التي أعجز عن محوها و لو اقتلعت جفني من جذورهما...
~ ~ ~ ~
وافقت كارها على قضاء الليلة في بيت أبي حسام، و لم أنم غير ساعتين
لأن أفكاري كانت تعبث بدماغي طوال الوقت.
ماذا إن قررت صغيرتي البقاء هنا ؟
أتعتقد هي أنني سأسمح بهذا ؟؟
مطلقا يا رغد مطلقا .. و إن كان آخر عمل في حياتي، فأنا لن أدعك تبتعدين عني...
ما كدت أصدّق، أنك ِ تحررت ِ من أخي... الطيور..يجب أن تعود إلى أعشاشها...
مهما ابتعدت، و مهما حلّقت...
مهما حدث و مهما يحدث يا رغد.. أنت ِ فتاتي أنا...
تناولنا فطورنا في وقت متأخر، الرجال في مكان و النساء في مكان آخر...
و حين فرغنا منه، طلبت أم حسام أن تتحدّث معي حديثا مطوّلا، فجلسنا أنا و هي
و ابنتها الصغيرة في غرفة المجلس... و كنت أعلم مسبقا عن أي شيء سيدور الحديث !
" وليد يا بني.. إن ما مرّت به رغد لهي تجربة عنيفة، احترق بيتها، و تشردت ، ثم مات والداها
ثم انفصلت عن خطيبها، و عاشت في مكان غريب مع أناس غرباء !
هذا كثير على فتاة صغيرة يا بني ! "
التزمت الصمت في انتظار التتمة
" إنه لمن الخطأ جعلها تستمر في العيش هناك، إنها بحاجة إلى رعاية (أموية و أبوية)..
لذلك يجب أن تبقى معنا "
هزت رأسي اعتراضا مباشرة... فقالت أم حسام :
" لم لا ؟ "
" لا يمكنني تركها هنا "
" و لكن لماذا ؟ إنه المكان الطبيعي الذي يجب أن تكون فيه بعدما فقدت والديك
مع خالتها و عائلة خالتها، التي تربت بينهم منذ طفولتها"
قلت مستنكرا :
" لا يمكن ذلك يا أم حسام، الموضوع منته "