" يكفي يا رغد ، هيا نغادر المكان أرجوك فلم أعد أحتمل المزيد "
اقتربت منها و أمسكت بذراعها و أرغمتها على الخروج من الغرفة، رغم مقاومتها..
كانت رغد تبكي بكاءا شديدا ، و استمرّت في نوبتها هذه و نحن واقفان عند الباب
لا توافق على التزحزح عنه خطوة بعد...
" رغد .. صغيرتي ... "
ناديتها بأتعس صوت صدر من حنجرتي الكئيبة...على الإطلاق..
نظرت إلي و قالت بأسى :
" من بقي لي بعدهما؟ من بقي لي ؟ "
قلت :
" أنا يا رغد .. لك و معك دائما..أنا يا رغد.. أنا ... "
رغد نظرت إلي نظرة حزينة قاتلة، و فكها الأسفل يرتجف من البكاء.. و الدموع تقطر منه ...
" رغد ... "
" وليد ... ضمّني "
وقفت كالأبله ، لا أفهم و لا أفكر و لا أتصرف !
قالت و فكها لا يزال ترتجف :
" ضمّني .. ألست أبي و أمي الآن ؟ ألست من بقي لي ؟ "
لحظتها.. تمنيت لو أتحوّل إلى جدار ، يكون أكثر نفعا مني ..
كأي جدار عانقته و تشبثت به.. كأي جدار ربما
و مع كونه جمادا لا روح فيه و لا حياة، أشعرها بالدفء و العطف و الأمان... أما أنا..
و أنا واقف أمامها كالشبح الميت، الغير مجدي ..
فلم يكن مني إلا أن أحنيت رأسي للأمام في عجز عن فعل شيء أكثر أهمية
و حرارة و نفعا من الجدران ...
لن أسامح نفسي ما حييت، على خذلاني لصغيرتي في لحظة كهذه...
بعد ذلك ، و رغم أنني كنت مصرا على المغادرة فورا
ألا أن رغد كانت مصرّة على دخول غرفتها و تفقّد أشيائها...
السرير كان محروقا، و لا زلت أشكر الله ألف مرة لأن رغد ليلتها كانت نائمة في بيت خالتها..
ألف حمد لك يا رب..
الأثاث، في موضعه السابق، ألا أنه مكتس باللون الأسود المتفحم..
و مغطى بذرات الرماد و فتات المحروقات...
لم أشأ دخول الغرفة، وقفت عن الباب أراقب رغد و هي تتحسس أشياءها المحروقة...
حتى إذا ما انتهت إلى مجموعة لوحاتها الكبيرة ، جعلت تتفقدها بسرعة و وله ، و تهتف بألم :
" لا ، لا .. لا ... "
ثم نظرت إلي و قالت بين دموعها :
" وليد .. لقد احترقت َ ! "
و أخذت تحضن الرماد... و البقايا... أخيرا قررت الدخول
و حين صرت قربها مباشرة قالت و هي تنثر الرماد من حولها :
" أنظر.. لقد احترقت حتى الصورة ! لماذا ؟ يا إلهي ماذا تبقى لي ؟ ماذا تبقى لي ؟؟ "
" دعونا نغادر المكان و نختصر الألم أرجوكما "
كان ذلك صوت أروى التي كانت واقفة عند الباب.. قالت رغد
" ارحلوا و اتركوني.. أريد الموت هنا.. آه يا رب.. لماذا عشت أنا و ماتا هما ؟
حتى الصورة احترقت ! ماذا تبقى لي ؟؟ "
أروى تقدمت نحونا و أمسكت بيد رغد محاولة مواساتها و تشجيعها
ألا أن رغد نهرتها بقوة، و رمتها ببعض الكلمات الجارحة، ربما من شدة حزنها ...
و لم تسمح لنا رغد بمغادرة المنزل حتى تفقدته غرفة غرفة و ممرا ممرا و زاوية زاوية...
حتى المطبخ جلست فيه فترة طويلة تستعيد الذكرى و تقلّب المواجع ، و تكرر
" هنا كانت أمي تطهو الطعام ، و هنا كان أبي يدوّن ملاحظاته في المفكرة !
و هناك كانت دانة تزين كعكاتها بالشكولا ! ... و سامر يقف هناك، يتحدّث عبر الهاتف
و عند هذه الطاولة كنت أنا أجلس لأقشر البطاطا !
ليت ذلك يعود...
و لو يوما واحدا فقط..
أعيش فيه وسط عائلتي .. بين أمي و أبي، و أختي و أخي.. يوما واحدا فقط.. عسى أن يكون آخر أيام حياتي... "
بل إن هذا سيكون آخر أيام حياتي أنا، ما لم تتوقفي عن ذلك يا رغد ... ارحميني...